سورة آل عمران | حـ 455 | 111 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 455 | 111 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تشير الآية "لن يضروكم إلا أذى" إلى أن الإنسان المتوكل على الله محمي من الضرر الحقيقي، فالخلق لا يستطيعون ضرره إلا بما كتبه الله.
  • الحرية الحقيقية مقترنة بالعقل، فالفرق بين الحرية والانفلات هو العقل، فالحر العاقل يكون خصيم نفسه ويحاسبها.
  • "لن يضروكم إلا أذى" تعني أن الضرر المحتمل سيكون سطحياً فقط "في الريش"، أي في أمور الدنيا كالأموال والرفاهية.
  • رغم تعرض المسلمين للاضطهاد والاحتلال والقتل عبر التاريخ، ظل الإسلام قوياً بوضوح عقيدته.
  • وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها جعلتها عصية على الضرر الحقيقي، فهي تقدم برنامجاً واضحاً للحياة.
  • التاريخ يشهد على صدق الآية، فالصليبيون والتتار والاستعمار جميعهم ولوا الأدبار، وكثير منهم أسلم.
  • الوعد الإلهي "وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون" تحقق مراراً عبر التاريخ.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

التوكل على الله وعدم الخوف من الخلق في ضوء سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ [آل عمران: 111]

يعني توكّل على الله، ما أحدٌ سيستطيع أن يضرّك. واعلم أن الخلق إذا اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأنهم لو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لن يضرّوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رُفعت الأقلام وطُويت الصحف وجفّ القلم، انتهى.

الفرق بين الحرية الحقيقية والانفلات وضرورة حكم العقل للنفس

إذا فما معنى ذلك؟ إنك حرّ، إنك لا تخاف أحدًا. لكن الحرّ لا بدّ أن يكون عاقلًا؛ لأن الفرق بين الحرية والانفلات [هو] العقل.

ما هو [الانفلات]؟ في حرية بمعنى أن أعمل ما تريده [النفس]. والعقل معناه ما هو؟ عقلك قيدك، حكمك. هو ما هذا الذي يحكمني؟ الأهواء لا، الناس لا. هذا الذي يحكمني [هو العقل].

العاقل خصيم نفسه، هو يكون خصيمًا لنفسه، هو الذي [يحاسبها]؛ ما هو «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا». فهو [التوكل على الله] يحررني من سلطان الناس عليّ، يقول لي: لا تخف أحدًا، خَف من ربك، وليس لا تخف أحدًا بقشيش بلا عقل هكذا.

التفريق بين عدم الخوف المشروع والبلطجة والتفلت من الضوابط

فما معنى أن يجد المرء نفسه يفجر ويعتدي على الناس؟ فهو لا يخاف أحدًا؟ لا، هذا نوع من أنواع البلطجة، وهذا ليس حرية، هذا نوع من أنواع التفلّت.

ولكن متى يكون ذلك [عدم الخوف] صحيحًا؟ عندما يكون بالعقل؛ عقلك يحكم نفسك.

دلالة لن يضروكم على المستقبل والاستثناء الوارد في الآية الكريمة

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ﴾ [آل عمران: 111]

«لن» هذا للمستقبل، لا يعطيك خبرة تاريخية «لم يضرّوكم»، لا؛ لن يضرّوكم يعني أيضًا في المستقبل لن يضرّوكم.

ولكن نحن نرى أنهم يضرّوننا، إذن هناك استثناء، ما هو؟ لم يقل «لن يضرّوكم» وسكت. لو قال «لن يضرّوكم» [فقط] إذن لكان الناس جميعًا مسلمين؛ لأن المسلمين كانوا سينتصرون دائمًا دون أيّ تخلّف أو تأخّر، وهذا لا يحدث.

فالناس جميعًا تقول: الله! فما هو؟ هؤلاء هكذا؟ لا،

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

لأن حكمة الله بالغة.

معنى الأذى في الآية وأنه يصيب الدنيا لا الدين والهوية

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ [آل عمران: 111]

وسيأتي [الأذى] في الدنيا. تقول لك [الحكمة]: إن الذي يأتي في الريش بقشيش. ما الذي يأتي في الريش بقشيش؟ هذا يعني ليس في قلبك وهويتك، وإنما يأتي دائمًا في الدنيا:

  • ضيق في الأموال
  • ضيق في التقدم
  • ضيق في الرفاهية
  • ضيق من نتاج الحرب

أما الإسلام فلا يوجد أحد يعرف كيف يضايقه.

واقع المسلمين عبر التاريخ بين الأذى والابتلاء المستمر

هل تنتبه للمسلمين؟ يضايقونهم نعم، وتُحتلّ أراضيهم وتُؤخذ أموالهم وتُستعمر بلدانهم وتُنتهك أنفسهم ويُقتلون، والدم يجري كما نشاهده في كل مكان وعلى مرّ الأيام.

التتار، الصليبيون، وقبلهم الروم والفرس، وقبلهم المشركون واليهود، وقبلهم وهكذا سلسلة مستمرة، وبعدهم الاستعمار الحديث، وبعد ذلك سلسلة مستمرة. وها نحن اليوم: العراق مضروبة، وفلسطين مضروبة، والشيشان مضروبة، وكشمير مضروبة، والصومال مضروبة، والسودان مضروبة كذلك.

فماذا بعد ذلك؟

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ [آل عمران: 111]

فلماذا هذا [الأذى]؟ قال: لأن الإيمان واضح، إيماننا واضح، ليس بحاجة إلى فلسفة. وعندما يدخل [الإيمان] في الفلسفة يدخل بمشكلاته، لكنه هو نفسه كذلك [واضح بيّن].

بساطة العقيدة الإسلامية ووضوح برنامج حياة المسلم

تأتي بالمسلم تقول له: أين أنت من هذا [الدين]؟ يقول لك: لا شيء، حاجة بسيطة جدًّا وحقيقية جدًّا. هذا [الدين]: في ربنا وهو واحد، أنزل الكتب وأرسل الرسل وجاء لنا بوحي نطبّقه.

قال: توضّأ وصلِّ وصُم وحُجّ وكن صادقًا، لا تشهد شهادة الزور وكن نظيفًا، هكذا فقط. ويجوز لك أن تتزوج وتبيع وتشتري وهكذا وتنجب، وسمِّ اسم ابنك بأسماء أشياء جميلة هكذا لا أشياء سيئة.

واحرص على حسن الجوار، وعندما تموت وزّع ميراثك بالطريقة الفلانية [التي شرعها الله]، وعندما تذهب إلى القاضي تصبح تفعل له ماذا؟ هذا. وبعد ذلك سنموت.

طيب، وعندما تموت تذهب إلى أين؟ قال: في يوم، في يوم آخر اسمه يوم القيامة، فيه جنة وفيه نار؛ الذي صالح سيدخل الجنة والسيّئ سيدخل النار. واضحة هي.

وعي المسلم بالحلال والحرام وامتلاكه خريطة واضحة للحياة

ولذلك أنا لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولا أعمل [المعاصي]، ولو عملت ذلك أقول: أستغفر الله وأتوب إلى الله؛ لأن ربنا نهانا عن ذلك.

والذي لا يصلّي يقول لربنا: تُب عليّ وأصلّي. والناس كلها تعرف أن الخمر حرام، وأن الكذب حرام، وأن الحقد حرام، وأن وهكذا، تعرف أشياء [كثيرة].

هذا [المسلم] معه خريطة، هذا معه برنامج، يعرف كل شيء.

حيرة غير المسلم في معرفة الخالق والغاية من الحياة والموت

تأتي بآخر [غير مسلم]، يا عيني، تقول له: من الذي خلقنا؟ قال لك: والله ما أنا أعرف، والله ما أنا أعرف. طيب أنت تقول: والله إلا ما أنا لست أعرف أصلًا، لست أعرف. هذا أنت تقول: والله ما أنا أعرف من [خلقنا]؟ والله!

هذا يقول لك إنه لم ينتبه، وأنا فقط معتاد على الكلمة [دون تدبّر]، لكنني لا أعرف من هو الذي خلقني.

فماذا تفعل هنا؟ أنا ونحن ها نحن ذا. نعم، ماذا تفعل بالضبط يعني؟ أنا ونحن ها نحن ذا نعيش، نأكل ونشرب ونعمل.

وأنت مرتاح هنا في بلدك؟ قال: لا، أريد أن أسافر وأذهب إلى هناك. أين هناك؟ في بلاد كهذه تكون أيضًا فيها طعام جيد وشراب جيد وراحة طيبة وأشياء جيدة.

انظر إلى الفرق! وماذا يوجد بعد الموت؟ قال: والله لا أعرف.

وضوح العقيدة الإسلامية سبب حصر الضرر في الأذى الدنيوي فقط

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ [آل عمران: 111]

هذا معناها وضوح العقيدة؛ لأنه لو كانت العقيدة مشوّشة لكان سيضرّكم فيها، ولكن هؤلاء لن يضرّوكم إلا أذى، الذي يأتي في الريش فحسب [أي في الأمور الدنيوية الظاهرية].

شواهد تاريخية على هزيمة أعداء الإسلام ودخولهم فيه عبر القرون

﴿وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111]

قاتلونا عبر السنين والأيام. الصليبيون دخلوا وأقاموا مائتي سنة يا أخي، مائتي سنة! وبعد ذلك ولّوا الأدبار.

حسنًا، والتتار دخلوا فأسلموا. وعلى فكرة، الصليبيون أسلموا أيضًا، كثير منهم أسلم. والتتار دخلوا فأسلموا، وفي [نهاية] الشيء أبدًا وولّينا الأدبار [أي ولّوا هم الأدبار]. والاستعمار دخل وذهب في داهية.

الاستفادة من دروس الماضي للحاضر والمستقبل وختام اللقاء

إذا هذا [الذي نتعلمه]: نستفيد من الماضي للحاضر والمستقبل، أن الحكاية هذه ليست راضية أن تنتهي [أي أن الصراع مستمر لكن العاقبة للمؤمنين].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.