سورة آل عمران | حـ 456 | 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 456 | 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح القرآن في سورة آل عمران أن الذلة ضُربت على من اتصفوا بثلاث صفات: عدم الإيمان بالله، عدم الأمر بالمعروف، وعدم النهي عن المنكر.
  • هذه الصفات تتناقض مع ما شرف الله به الأمة المحمدية بقوله "كنتم خير أمة أخرجت للناس".
  • خلق الله الإنسان عزيزاً في أحسن تقويم، لكنه رده أسفل سافلين واستثنى المؤمنين العاملين الصالحات.
  • المؤمن يخاف ربه ولا يخاف سواه، بينما هؤلاء ضُربت عليهم الذلة لخوفهم من كل شيء وكراهيتهم لذكر الموت.
  • استثنى الله من هذه الذلة من كان معه حبل من الله (نعمه كالمال والجاه والسلطة والعلم والصحة) وحبل من الناس.
  • يجب أن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، نستعملها لعبادة الله وتعمير الأرض وتزكية النفس.
  • وصف الله هؤلاء بأنهم باؤوا بغضب من الله وضُربت عليهم المسكنة بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الذلة من سورة آل عمران وصفات المخاطبين بها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]

الله سبحانه وتعالى يتحدث عن طائفة من البشر تتصف بصفات معينة؛ أول هذه الصفات أنهم لا يؤمنون بالله، وثاني هذه الصفات أنهم لا يأتمرون بينهم بمعروف، وثالث هذه الصفات أنهم لا يتناهون فيما بينهم عن منكر.

شرف الأمة المحمدية بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لأنه [سبحانه وتعالى] شرّف الأمة المحمدية بهذه الصفات الثلاث:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]

والذي ليس كذلك [أي ليس من هذه الأمة المتصفة بتلك الصفات] لا يؤمن بالله، ولا يؤمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتاركين الأمر هكذا في انفلات. الله سبحانه وتعالى يصفهم وقال:

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: 112]

خلق الإنسان عزيزاً ورده أسفل سافلين إلا من آمن وعمل صالحاً

الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان عزيزًا وخلقه في أحسن تقويم، لكنه مع ذلك ردّه أسفل سافلين، واستثنى من هذا الرد الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقال سبحانه:

﴿وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [العصر: 1-3]

وبعد ذلك عملوا أمرين: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر على ذلك الحق؛ أي تواصوا فيما بينهم بالحق، ينصح بعضهم بعضًا، وبعد ذلك يصبرون على الحق.

الحق يحتاج إلى صبر والمداومة على العمل الصالح كسنة النبي

هذا لأن الحق يحتاج إلى صبر، والتواصي يحتاج إلى صبر؛ فلن تعمل أن تسير على الحق فقط، بل تصبر على التواصي بذلك الحق حتى تكون مستمرًا في عملك.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة [أي مستمرًا لا ينقطع].

قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» أخرجه البخاري

حسنًا.

ضرب الذلة على من حاد عن الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: 112]

نعم، يبقى [أي إذن] لعدم هذه الأمور الثلاثة [الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ضُربت عليهم الذلة؛ لأنهم لم يدخلوا في دور عزة المؤمن.

ضُربت عليهم الذلة لأنهم لم يؤمنوا بالله ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن منكر. ضُربت عليهم الذلة لأنهم خافوا من كل شيء، والمؤمن يخاف ربه ولا يخاف سواه.

﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى﴾ [آل عمران: 111]

فقال: ضُربت عليهم الذلة.

وعد الله بالعزة لمن نصره وبالذلة لمن حاد عن طريقه

ربنا سبحانه وتعالى يتوعد من نصره بالعزة:

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]

ووعد الذين يحيدون عن طريقه بالذلة:

﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]

ولكن سبحانه قرر حقيقة أنه:

﴿تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: 26]

فهنا ضُرب عليهم الذلة لأنهم حادوا عن طريقه.

حال من حاد عن طريق الله وخوفهم من الموت وكراهيتهم لذكره

أينما ثُقفوا [أي حيثما وجدتموهم] أذلة. هذا ربنا ينبئنا عما في نفوسهم؛ إذا ما حادوا عن الطريق أنهم يخافون من كل شيء، ولذلك تجدهم يكرهون ذكر الموت، خائفين مما بعد الموت.

وإذا ذكرت الموت وذكرت أنه يعني شيئًا كأننا سننتقل من حياة إلى حياة، يقولون لك: الله! أنتم تكرهون الحياة أم ماذا؟ لا، نحن نحب هذه [الدنيا] ونحب تلك [الآخرة].

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

لم نقل: ربنا آتنا في الآخرة ولا تجعل لنا في الدنيا من خلاق، لا، بل قلنا هنا وهناك نريد الاثنين.

دعاء الصالحين بأن تكون الدنيا في الأيدي لا في القلوب

فلنستعن قليلًا بفضل الله وفي وجه الله. أما هذا [الذي حاد عن طريق الله] فهو خائف ولا يريد أن يذكر الموت هذا إطلاقًا، فليس معه [الإيمان الحقيقي]، ولكنه يخدع نفسه ويقول أنه عزيز.

﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 112]

ربنا آتاه شيئًا من المال، ربنا آتاه شيئًا من الجاه، ربنا آتاه شيئًا من السلطة، ربنا آتاه شيئًا من المعرفة والعلم، ربنا آتاه أي شيء من نعم الله، صحة مثلًا. فهذا بحبل من الله.

﴿وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]

إن وجد أحدًا يحتمي به.

حقيقة نعم الله الزائلة ودعاء أن تكون الدنيا في الأيدي لا القلوب

حسنًا، وكل هذا ما هو؟ كل هذا زائل، وكل هذا ليس حقيقة، وإنما كل هذا من نعم الله، ولا بد أن نتعامل مع كل هذا على أنه من نعم الله وندعو:

«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»

انظر إلى دعوة الصالحين؛ ليس "اللهم لا تجعل الدنيا في أيدينا"، لا، نحن نريد الدنيا في أيدينا من سلطة ومن مال ومن صحة ومن علم ومن كل شيء، كل شيء نريده.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]

كل شيء يقول لك: العلم هذا قوة، نعم أنا أريد العلم. والمال قوة عصب الحياة، أنا أريد المال.

تأسيس الدولة بالمال واستعماله لله وتعمير الأرض وتزكية النفس

وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة لم يؤسس دولة، ولما جاءت الأموال وأصبح في المدينة بُنيت الدولة؛ فيكون صحيحًا أن المال عصب الحياة، ولكنه ليس في قلوبنا، وإنما نستعمله لله ونعمّر به الأرض ونزكّي به النفس ونعبد به ربنا.

﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 112]

كالنعم والمنن، أو:

﴿وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]

معنى البوء بغضب الله وحال من يريد التوبة ولا يستطيع

﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 112]

فاستمع إذن، باءوا يعني دخلوا في غضب الله منغمسين في غضب الله. ولذلك تجد الإنسان في يوم يحاول أن يتوب أو هكذا، يقول لك: هذا أنا في جهنم وأريد أن أخرج منها.

فتقول له: فلماذا لا تخرج؟ فيقول لك: لست قادرًا.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

سبب ضرب الذلة والمسكنة الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء والعصيان

﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: 112]

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.