سورة آل عمران | حـ 464 | 117 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 464 | 117 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يُشبّه القرآن الكريم إنفاق الكافر بريح فيها صِرّ، لأنه لا يبتغي وجه الله بل يريد المجد والسمعة.
  • الريح التي فيها صِرّ (الإعصار) تهلك الزرع والبيوت، وكذلك إنفاق الكافر لا ينفعه يوم القيامة.
  • الإنفاق نوعان: إنفاق مبتغى به وجه الله فهو كالنسيم المفيد، وإنفاق لأجل السمعة فهو كالإعصار المهلك.
  • الله سبحانه لا يظلم أحداً لأن الكون كله ملكه، والظلم هو التصرف في غير الملك.
  • المصائب في الدنيا نوعان: نوع للتذكرة ورفع الدرجات كما حدث للأنبياء والصالحين، ونوع بسبب ظلم النفس.
  • أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصاب بالحمى بقدر رجلين.
  • بعض البلاء يأتي بسبب المعاصي كشرب الخمر الذي يتلف الكبد، أو كفر القرى بأنعم الله فيذيقها الجوع والخوف.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الإنفاق من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن الإنفاق:

﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117]

هذا [المثل] في إنفاق الكافر؛ ينفق لكنه لا يريد وجه الله، إنما يريد مجد نفسه واسمه يبقى مذكورًا على كل لسان.

صفة إنفاق الكافر الذي يبتغي به الشهرة والمنّ والأذى

لا يدفع [الكافر المال] بعد ذلك [إلا] ويُكتب فاعل خير، لا فاعل خير أيّ شيء هذا؟ أنا فاعل الخير هذا ويجب أن تشكروني، مَنٌّ وأذى ما هو فيه، مَنٌّ وفيه أذى.

مثّل الله هذا الإنفاق من الكافر بالريح فيها صِرّ، الريح وهي فيها دمار فيها هلاك، يعمل مثل العواصف.

وصف قوة الإعصار المدمر وتشبيهه بإنفاق الكافر

هذه العاصفة أم الإعصار، هذا الإعصار في دوامة وهذه الدوامة تُهلك الزرع والضرع والبيوت والناس. ونرى في الأعاصير واحدًا يطير في الهواء ونظن أن هذا خيال، هذه حقيقة، أو سيارة طائرة أو بقرة طائرة.

يا لقوة الإعصار! تطير كل الأشياء التي ليست من المعتاد أنها تطير هكذا، ولكن العصفور تطيره ريح فيها صِرّ وهو الإعصار.

إصابة الريح المدمرة لحرث قوم ظلموا أنفسهم وإهلاكه

﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 117]

هذه الريح أصابت حرث قوم، ولكن لمّا أصابتهم كانوا هم ظالمين لأنفسهم، ظلموا أنفسهم فأهلكت الريح [حرثهم].

الفرق بين الريح الطيبة والريح المدمرة وتشبيههما بنوعي الإنفاق

ما هو [الفرق]؟ في ريح طيبة، الريح ما هو من ضمنها النسيم العليل، فالريح في حد هي ذاتها تعمل مثل الإنفاق؛ فالإنفاق شيء طيب، ولكن الإنفاق الذي لا يُبتغى به وجه الله والذي يُبتغى به الدنيا والمجد والسمعة كالصِّرّ الذي في الريح.

ما هو الإعصار؟ إنه ريح، والنسيم العليل ريح أيضًا، إنه هواء متحرك. فهذا إنفاق وذاك إنفاق، أما الإنفاق المُبتغى به وجه الله فهو كالنسيم، حركة الهواء ولكن فيها شفاء للناس، وهذه حركة هواء أيضًا ولكن حركة الهواء فيها هلاك.

حوار يوم القيامة بين الله وبين من أنفق رياءً ومن أنفق لوجه الله

ولذلك يوم القيامة يقول له [الله]: يا رب ما أنا حرّكت الهواء، ما أنا أنفقت! يقول له [الله]: أنفقت ولكن من النوع الذي هو الإعصار الذي فيه صِرّ، أصاب حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. الصِّرّ هذه أهلكت وهذه الريح قد أهلكت، ولذلك ليس لك عندنا شيء.

أما الثاني [الذي أنفق لوجه الله] فهذا يقول له: يا رب أنا حرّكت الهواء، يقول له [الله]: هو صحيح، وها هو الهواء يأتي ليلطف عليك الدنيا ويفيدك في الآخرة.

تأكيد أن الله لا يظلم أحدًا وأن الناس يظلمون أنفسهم

﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 117]

هذه وحدها حقيقة أن الله تعالى لا يظلم أحدًا ولا يُظلم عنده أحد؛ فإن الكون كله في ملك الله، والظلم هو التصرف في غير الملك.

فالله عندما يتصرف في ملكه وخلقه فهو عادل؛ لأنه عادل ولأنه حكيم ولأنه مالك، وما دام مالكًا فلا يمكن أن يوصف بالظلم.

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]

﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 117]

هم الذين يظلمون أنفسهم.

هل كل مصائب الدنيا سببها ظلم النفس وبيان نوعي البلاء

حسنًا، هل نأخذ من هذا أن كل هلاك في الدنيا وكل مصائب الدنيا تكون من ظلم النفس؟ قال: لا.

المصائب على نوعين:

  1. نوع يكون مثل تذكرة الموت، مصيبة فأصابتكم مصيبة الموت، في موت. يمكن مصيبة تصيبك مصيبة، تخيّل أن في شخص مات مصيبة، أين العلاقات الاجتماعية الخاصة به؟ زوجته، أولاده، أبوه، أمه، مصيبة تتغير.

ولذلك في الحزن جعل الله الناس يحزنون عند الموت مصيبة، لكن هذا الموت فيه تذكرة.

الشدائد التي تصيب الأنبياء والصالحين لرفع الدرجات

هناك شدائد وهذه الشدائد تكون للتذكير، أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

ولذلك تجد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ويجلس في مرضه، وكان إذا أُصيب بالحمى أُصيب بقدر رجلين من الشدة. هكذا سيدنا رسول الله، قوي، ربنا أعطاه بنية قوية.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الوطيس [في المعركة] احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحرب كان مثل الأسد. هكذا هو أسد، أيّ شيء وصاحب أيّ شيء، لا! هذا كان هو سيد الخلق، هكذا هو ما له مثيل، ما له مثيل، شجعان العرب انهاروا أمامه. هكذا هو، اعتدوا عليه وضربوه بالسلاح، لكنه كان شجاعًا جريئًا قويًّا في بدنه.

بلاء النبي ﷺ كان لرفع الدرجات والغفران لا للعقوبة

فلما كانت تنزل عليه [النبي ﷺ] الحمى تنزل بقوة رجلين. طيب، ما هذه مصيبة؟ هذه نعم [مصيبة]، لكن هذا لرفع الدرجات، هذا للغفران.

أيّ شيء فيها؟ يعني هو [النبي ﷺ] يرى في نفسه كذلك أنه يعني لم يوفِّها جيدًا، هو ليس الله [الذي] يرى أنه وفّاها وكل شيء، ولكن يشعر الإنسان في نفسه كذلك، يقول: لا، كنت أيضًا أكثر. قم، يُصاب كذلك رفعًا للدرجات وترقية، والترقي لا يعلم نهاية [له] عند الله سبحانه وتعالى.

النوع الثاني من البلاء وهو ما يكون بسبب ظلم النفس والانحراف

إذن ففي نوع من البلاء هو تذكرة، وهناك نوع من البلاء من ظلم النفس.

عندما يسير أحدهم منحرفًا ويشرب الخمر فيتلف كبده، وهذا من الذي؟ أنت ظلمت به نفسك وبقيت حتى يتلف كبدك. أو أنه يظلم الخلق حاكمًا أو محكومًا فيرسل الله سبحانه وتعالى عليه البلاء.

أو قرية من القرى كانت آمنة وكان يأتيها رزقها الطيب من كل مكان فكفرت بأنعم الله:

﴿فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

وهكذا فالأمر فيه سعة لقراءته.

الدعاء بأن يعلمنا الله قراءة كونه والختام بالسلام

وندعو الله أن يعلّمنا كيف نقرأ كونه سبحانه وتعالى ويعلّمنا مراده، إنه على ذلك قدير.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.