سورة آل عمران | حـ 467 | 119 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوضح القرآن في سورة آل عمران أن المسلمين يحبون غيرهم رغم أن هؤلاء لا يحبونهم، حيث يقول تعالى: "ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم".
- •المسلمون يؤمنون بالكتب السماوية كلها، بينما غيرهم لا يؤمنون بالقرآن.
- •أوصى الله المسلمين بالعفو والصفح رغم ما يلاقونه من حسد وكراهية، قال تعالى: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره".
- •القتال في الإسلام محدد بضوابط: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا".
- •المسلم الحقيقي يؤمن بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول للعالمين جميعاً وليس للعرب فقط.
- •من يعتقد أن النبي محمد رسول للعرب فقط أو لزمانه فقط ليس مسلماً.
- •المسلمون يستمرون في الحب والإيمان والعفو رغم العداء الذي يواجهونه.
- •ظلم المسلمين وتشويه صورتهم لا يثنيهم عن التمسك بقيمهم وأخلاقهم.
وصف الله تعالى لحال المسلمين مع غيرهم في سورة آل عمران
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف حال المسلمين [مع غيرهم من أهل الكتاب]:
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118]
وهذه البطانة [من غير المسلمين] لا يعملون لمصلحتكم، فيقول [الله تعالى]:
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]
إذن ربنا يصف المسلمين أنهم يحبون غيرهم.
﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 119]
وهم الذين صفاتهم أنهم لا يحبونكم، هم الذين يقولون لأنفسهم: هم لا تحبوا هؤلاء الناس، ولكنك [أيها المسلم] مأمور بأن تحب العالم كله.
موقف الله تعالى من حب المسلمين لغيرهم رغم عدم محبتهم لهم
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 119]
لما قال [الله] ذلك، فإنه يأمرك الآن بماذا؟ [الله تعالى] راضٍ عنك وأنت ماذا؟ وأنت تحبهم. قال لك: وما دام لا يحبونك فاكرههم؟ لم يقل ذلك!
ولكنه وصف حالتك [أيها المسلم]، قال:
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]
إذن أنت تحبهم الآن، استمر وأنت تحبهم هكذا، ولكن هم لا يحبونك، ليس لك شأن بهم.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]
نحن نؤمن بكل الكتب [السماوية].
إيمان المسلمين بجميع الكتب السماوية وعدم تقليد السيئ من غيرهم
نكفر إذن مثلهم؟ هم يكفرون بالكتاب الخاص بنا [القرآن الكريم]، نكفر نحن بالكتاب الخاص بهم؟ لا يجوز! يجب أن نستمر في الإيمان بالكتاب كله، ولكن هم لا يؤمنون بالكتاب كله، ليس شأني ما هم [عليه].
أنا لا أقلد السيئ، والحسن سأقلده.
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]
فيقول ربنا لي، يصفني بأشياء حسنة هي من ضمنها أنني أحبه [أي أحب غيري من البشر]، فهو أنا أحبه هكذا، هذا من فضل الله وبموافقة ربنا.
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]
موقف المسلم من غيظ الأعداء والاستمرار في الحب والإيمان والعفو
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: 119]
لن نتوقف عن الحب، ولن نتوقف عن الإيمان، ولن نتوقف عن العفو، ولن نتوقف عن الصفح، ولن نتوقف عن تجاوز الأزمات، ولن نتوقف عن أن نؤمن بالرسل كلها.
ولو شتمتم نبينا [محمدًا ﷺ] لن نشتم أحدًا من الأنبياء؛ لأن المسلم إذا سبّ الأنبياء يصبح كافرًا. افعلوا ما تفعلونه، اقفزوا مثل الفول في النار أيضًا، نحن سائرون على ما نحن عليه: سنحبكم، وسنؤمن بالرسل، وسنؤمن بالكتب، وسنعفو، وسنصفح، وسنتجاوز، وسنستمر، سنستمر.
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 119]
أمر الله بالعفو والصفح عمن يريد ردّ المسلمين عن دينهم حسدًا
ما هو [الموقف]؟ قال لك [الله تعالى]:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 109-110]
هذا يقول لي: يريد أن يجعلني أرتدّ عن ديني؟ قال: نعم. حسدًا من عند نفسه؟ قال: نعم. من بعد ما تبيّن له الحق؟ [قال]: الله قد يبقى [هذا الشخص] شريرًا، يعني قال له: نعم.
فماذا أفعل إذن؟ قال: فاعفوا واصفحوا. لم يقل: اضربوا، تتبّعوا، حاصروا، أبدًا!
القتال في الإسلام مشروط بمن يقاتلك مع النهي عن الاعتداء
إنما لما قال [الله] لنا اضربوا، قال لنا اضربوا من؟ قال:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
فما هي الصورة التي صوّرها [هذا المعادي للإسلام] في ذهنه عن الإسلام والمسلمين، وأنشأها وظلّ يكذب بها حتى صدّقه الناس وصدّق نفسه؟
الله! لقد ظلمني هذا ظلمًا شديدًا جدًّا. نعم، نحن مظلومون.
فأين سيدخل المظلوم؟ سيدخل الجنة، وله دعوة مستجابة عند ربه. نحن نتعامل مع البشر ونحن نتعامل مع ربنا.
حوار مع غير مسلم حول حب المسلمين لغيرهم حتى لو لم يُبادَلوا
﴿هَـٰٓأَنتُمْ أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 119]
فواحد جاء وقال لي: لكن أنا أحبك! فقلت له: حسنًا، ما أنا أحبك أنا أيضًا. قال لي: لا، لكن أنتم تقولون:
﴿أُولَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 119]
قلت له: لا، هذا نقول لك: نحن حتى لو أنتم لا تحبوننا [فنحن نحبكم]، فما بالك لو أنتم بدأتم بالحب؟ أحبكم أكثر!
ولكن أنا هكذا، ونقول: هذا الذي لا يحبني أنا أحبه. طيب، والذي يحبني؟ الذي يحبني أحبه أكثر.
حوار حول الإيمان بالقرآن وشرط الإقرار بعالمية رسالة النبي محمد ﷺ
قال لي: وعلى فكرة أنا أيضًا مؤمن بالقرآن. قلت له: طيب، أحبك أكثر أيضًا! ما أنا مؤمن بكل الكتب [السماوية]. قال: لكن أنا أؤمن بالقرآن فقط، أي أقول إن هذا النبي [محمدًا ﷺ] للعرب فقط وليس للعالم كله.
فقلت له: إذن أنت لست مسلمًا؛ لأن المسلم يجب أن يُقرّ بأن النبي محمد بن عبد الله أرسله الله للعالمين، سيد الخلق أجمعين. فإن لم يُقرّ بذلك فليس مسلمًا.
فقال: وماذا في ذلك؟ إن القرآن حق وهو من عند الله، كذلك وأنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كان رسولًا كذلك؛ لأنه يقول رسول. فلماذا إذن للعرب فقط؟
بعضهم يقول لك: هذا رسول لزمانه فقط. أبدًا! هذا للعالمين إلى يوم الدين.
حب المسلمين لغيرهم وإيمانهم بجميع الكتب والرسل رغم كفر الآخرين
فأنت لست مسلمًا هكذا، أنت من غير المسلمين، ولكن بالرغم [من] إنك أنت من غير المسلمين، إلا أنه [الله تعالى] يقول لك:
﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 119]
يعني حتى ولو كانوا لا يحبونكم.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]
حتى ولو أنهم كفروا بكتابكم [القرآن الكريم]، وتؤمنون بالرسل جميعًا، حتى ولو كانوا لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
