سورة آل عمران | حـ 469 | 121 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 469 | 121 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص آية قرآنية في سورة آل عمران "وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال".
  • القرآن ليس مختصاً بزمان أو مكان معين، بل هو للمؤمنين والعالمين إلى يوم الدين.
  • كلمة "غدوت" تعني الخروج في الغداة، وهي فترة من أول النهار بعد الشروق والبكور.
  • الآية تذكرنا بتقسيم النهار عند العرب: إشراق، بكور، غداة، ضحى، زوال، ظهيرة، عصر، مغرب.
  • ذكر "من أهلك" في الآية يظهر كراهية النبي للقتال ومفارقته لأهله اضطراراً.
  • الحرب ليست هي الأصل، بل تُخاض رداً على العدوان ورفعاً للطغيان.
  • "تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال" تدل على أن الحرب علم يتطلب دراسة الموقع والرجال وقدراتهم.
  • يجب معرفة إمكانيات كل مقاتل وكفاءته في القتال للاستفادة منه في مكانه المناسب.
  • الاستعداد للحرب ضروري للدفاع عن النفس والديار.
  • الآية تذكرنا بمنة الله علينا ونعمه في كل وقت.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن القرآن خطاب للمؤمنين إلى يوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى لسيد الخلق وهو يعلّمنا بذلك إلى يوم الدين؛ فإن القرآن قد تجاوز الزمان والمكان، وليس مختصًّا بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم أو عصره فقط، وإنما هو للمؤمنين بل وللعالمين إلى يوم الدين.

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلّمنا من خلال نبيه:

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: 121]

والخطاب هنا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يتحدث عمّا منّ الله به على المؤمنين في بدر من النصرة.

معنى كلمة غدوت وتقسيم أوقات النهار عند العرب

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: 121]

وغدوت أي خرجت في الغداة، والغداة هي سُبحة النهار، يعني هي أول النهار. هكذا أول النهار خالصًا عند الشروق يُسمّى الإشراق، ثم بقليل هكذا يُسمّى البكور. يقول لك "باكِر" يعني "غدًا"، يعني ماذا؟ يعني من أول النهار. هكذا هو، وقليلًا هكذا ندخل في الضحى.

وبعد ذلك بعد الضحى بقليل هكذا هو بعد بدايته يكون الغداة. وإذ غدوت يعني سرت في وقت هو وقت الغداة، وقت من أوقات النهار.

كلمة وإذ غدوت تذكّرنا بتقسيم النهار إلى: إشراق، وبكور، وغداة، وضحى، وبعد ذلك زوال وظهيرة، وبعد ذلك العصر والمغرب وهكذا.

اتصال الإنسان بالطبيعة من خلال معرفة الأوقات بحركة الشمس

وكما نلاحظ أن فيها حركة الشمس، يعني هذه الأوقات نعرفها بحركة الشمس. إذن فالإنسان هنا يتصل اتصالًا مباشرًا بالطبيعة التي تحيط به، والتي خلقها الله له، ويشعر دائمًا وأبدًا بفضل الله عليه.

ولا يستطيع [الإنسان] أن يعيش بغير آلة [أي بغير وسيلة لمعرفة الوقت]. بعد ذلك استعمل الإنسان الساعات، وأصبحت الساعة العاشرة، الساعة الحادية عشرة، لا مانع [من ذلك].

استخدام العرب للساعات وحديث النبي عن فضل التبكير إلى الجمعة

وكان العرب يسمّون أيضًا هذه [الأوقات] بالساعات. والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن الذهاب إلى يوم الجمعة فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «من ذهب إلى يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرّب بَدَنة» جملٌ، يعني كأنه تصدّق بجمل.

ومن ذهب في الساعة الثانية، نعم، هذا في ساعة أولى وهناك ساعة ثانية وساعة ثالثة. إذن المقاييس تسير وكل شيء [يُحسب].

ولكن الغُدُوّ يُشعرك بأن الأمر خارج عن الآلات، وأن الأمر فيه اتصال بين الإنسان وبين الكون الذي خلقه الله. وفي هذا زيادة صلة بالله وزيادة شعور بالمنّة والنعمة التي من عند الله على البشر.

معنى غدوت من أهلك وبيان الغاية من الخروج لتبويء المؤمنين مقاعد القتال

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: 121]

"يبقى" في ابتداء، يعني أنت ذهبت، غدوت، ذهبت من عند أهلك، غدوت من أهلك، يبقى [أي أنه] ترك أهله وذهب. يبقى "مِن" هنا لابتداء الغاية.

أين الغاية؟ لماذا تركت أهلك وذهبت؟

﴿تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121]

تبوّئ المؤمنين هنا، ما هو تبوّئ المؤمنين؟ مقاعد للقتال، يعني تُعطي وتُحصّل للمؤمنين مقاعد قتالهم. باء الإنسان بالإثم يعني حصّل الإثم، لبسه الإثم. باء بغضب من الله يعني غضب ربنا نزل عليه، تمكّن منه. تبوّئ المؤمنين يعني تجعل المؤمنين يحصلون على مقاعد للقتال.

دلالة ذكر الأهل في الآية على كراهية الحرب وأن الإسلام دين سلام

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121]

تبقى كلمة "من أهلك" هذه ما لزومها؟ قال لك يعني لزومها إظهار كراهية القتال؛ لأنك لو كنت ذاهبًا للقتال وأنت تحب القتال وتعشق سفك الدماء، أم أنك ذاهب إلى هذا رغمًا عنك وتركت العزيز والحبيب؟

انظر كيف: وإذ غدوت تبوّئ... لا، لم يقل ذلك، بل قال "وإذ غدوت من أهلك". الله سبحانه وتعالى يأتي بأهلك هنا، لماذا؟ لكي يُشعر بأن النبي [صلى الله عليه وسلم] فارق محبوبه، فارق أهله.

وفراق الأهل هذا وفراق الحبيب يعني شيئًا. يُظهر أنه سعيد أم أنه ذهب عن تكليف ومشقة؟ لا، بل عن تكليف ومشقة.

إذن نحن دعاة سلام أم دعاة حرب؟ هذا يكون دعاة سلام. فنحن نذهب إلى الحرب وهي مفروضة علينا مضطرين إليها، ولكن يجب ذلك لأن هناك عدوانًا وطغيانًا علينا.

الحرب في الإسلام علم يستوجب دراسة الموقع والرجال والإمكانيات

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121]

فهذا يدل على أن الحرب علم. تبوّئ المؤمنين يعني يجب أن أدرس الموقع، ويجب أن أدرس الرجال الذين معي، يجب أن أعرف ما يقدر عليه كل واحد:

  • فهناك من يقدر على القتال وهو على الفرس.
  • وهناك من يعرف كيف يرمي السهم جيدًا.
  • ولكن هناك من يضرب بالسيف جيدًا.
  • وهناك من يصارع المحارب الذي أمامه جيدًا.
  • وهناك من يقدر على الضرب من الجهة اليمنى.
  • وهناك من يقدر على الضرب من الأرض.

كيف شكلها [أي أرض المعركة]؟ والعدو أين؟ عدده كم؟ والناس الذين معي كم؟ وما إمكانياتهم وكفاءتهم؟ وكيف أقدر أن أستغلّ كل هذا في الفوز؟

خلاصة الدروس المستفادة من آية تبويء المؤمنين مقاعد القتال

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121]

دروس كثيرة عندما تجلس تقرأ القرآن بهدوء هكذا تتضح لك:

  1. أنه [القرآن] يذكّرنا بمنّة الله علينا.
  2. وأن الحرب ليست هي الأصل والأساس، وإننا نقوم بها ردًّا على العدوان ورفعًا للطغيان.
  3. وأنه لا بد أن تكون الحرب عن علم، وإننا لا بد علينا أن نحصّل هذا العلم وأن نستعدّ له حتى ندافع عن أنفسنا وديارنا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.