سورة آل عمران | حـ 472 | 123-125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 472 | 123-125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص الآيات القرآنية المتعلقة بنصر الله للمؤمنين في غزوة بدر رغم قلة عددهم.
  • يستشهد بالآية "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة" مبيناً جواز دخول حرف الباء على المكان، رداً على بعض النحاة.
  • يوضح أن القرآن حجة على العرب والنحاة لأنه أفصح كلام بالعربية.
  • يذكر أن المؤمنين كانوا قليلي العدد في بدر وانتصروا بالله.
  • يبين كيف بشر النبي ﷺ المؤمنين بنزول ثلاثة آلاف من الملائكة.
  • يشرح أن الله وعد بخمسة آلاف من الملائكة المسومين إن صبروا واتقوا.
  • يلفت إلى أن عدد المشركين كان ثلاثة أضعاف المؤمنين، والملائكة الثلاثة آلاف تعادل المشركين ثلاث مرات.
  • يبين معنى "مسومين" أي معلمين بعلامات تميزهم، وأنهم يضعون علامات على الكفار.
  • يختم بأن نصر الله كان بشرى للمؤمنين وطمأنينة لقلوبهم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع آيات غزوة بدر في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يتلو علينا آيات بينات يصف بها ما حدث في غزوة بدر:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]

مسألة نحوية حول دخول الباء على المكان والاستدلال بالقرآن الكريم

وهذا كما يقول النحاة يجيز لنا أن ندخل الباء على المكان. يعني هل يجوز مثلًا أن نقول: ادرس بالأزهر الشريف، أم نقول: في الأزهر الشريف؟ بعض النحاة قال: لا يصح "بالأزهر الشريف" هذه، وإنما نقول "في الأزهر الشريف".

فاستدلّ عليهم [من أجاز دخول الباء على المكان] بتلك الآية: "ببدر"، وما بدر إلا مكان، فالباء هنا تصح. إذن فلِمَ تقول أنها لا تصلح؟ لماذا والقرآن حجة على العرب وعلى النحاة؟ لأنه هو أفصح كتاب صِيغ بهذه اللغة من عند الله سبحانه وتعالى.

القرآن كلام الله غير المخلوق وهو أفصح ما في العربية ولا يُقاس عليه النحو

لأن الكتاب وكلام الله غير مخلوق، قائم بذاته سبحانه. وهذا الكلام الذي نتلوه هو ترجمة وهو صورة طبق الأصل لما في نفس الله سبحانه وتعالى، فهو أفصح شيء بالعربية.

فلا يأتي أحدهم فيقول لك: إن الله هذا يقول "ببدر" وبعض النحاة يقولون إن الباء هنا لا يصلح! نحاة من هذا؟ هو هذا الذي نأخذ منه النحو، ليس هو هذا الذي نقيسه على النحو. هذا نراه ويكون هو صحيح، لا يصلح إلا هكذا [أي أن القرآن هو الأصل الذي يُقاس عليه النحو وليس العكس].

بشارة الله للمؤمنين بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة في بدر

إذ تقول للمؤمنين:

﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]

إنهم كانوا قليلي العُدّة وقليلي العدد، وكانوا أذلة، وانتصروا بالله واستنصروا الله سبحانه وتعالى. حتى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه يقول لسيدنا محمد ﷺ: كفاك مناشدتك لربك. كان [النبي ﷺ] يجلس يدعو ويستنصر ربنا، قال له [أبو بكر]: كفى، إنه ناصرك؛ فليس من المعقول أن تدعو كل هذا ولا ينصرك.

دعاء النبي ﷺ في بدر وخوفه من هلاك المسلمين ونصر الله له

ويقول النبي ﷺ:

«إن تَهلِك هذه العصابة فلن تُعبَد في الأرض بعد اليوم»

كلام عظيم جدًا. قال له [أبو بكر رضي الله عنه]: هل يوجد أحد يعبد [الله] الآن [غير هؤلاء المسلمين]؟ هذا الذي حدث.

فنصره الله وأيّده، وهو يبشّر المؤمنين بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، سينزلهم [الله]، فهم منزلون هكذا بيننا وبينهم ثلاثة آلاف. فماذا كان الحال؟

زيادة الله في الإمداد بخمسة آلاف من الملائكة بشرط الصبر والتقوى

فيقول ربنا [سبحانه وتعالى]: النبي ﷺ يقول ماذا؟ ربنا ينزل لكم ثلاثة آلاف. قوم، هو [الله] يقول ماذا؟

﴿بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125]

آه! النبي ﷺ يقول للمؤمنين أن الله سوف ينزل لكم ثلاثة آلاف من الملائكة تؤيدكم وتحارب معكم وهكذا، ولا يقول ذلك إلا عن وحي.

رحمة الله أوسع من بشرى النبي ﷺ فزاد الملائكة من ثلاثة إلى خمسة آلاف

فإذا بالله الكريم ينزل الثلاثة آلاف ويزيد، من أجل أن تكون بشرى النبي ﷺ أقل من رحمة الله. يعني النبي ﷺ يحبنا وقال:

«أنا منكم مثل الوالد للولد»

لكن ربنا يحبنا أكثر. والنبي ﷺ يبشّرنا أنه توجد ثلاثة آلاف قادمون، فربنا أرسل خمسة من عنده.

النبي عليه الصلاة والسلام سيأتي يوم القيامة ويقول: يا رب أمتي! فيقول [الله]: أنا أرحم بهم منك يا محمد. يعني النبي ﷺ منتبه لنا عليه الصلاة والسلام في يوم القيامة أيضًا، يعني يتشفّع، فيقول له [الله]: لا، اتركهم لي، أنا أرحم. إذن فربنا رحيم.

مقارنة عدد الملائكة بعدد المشركين وبيان فضل الله في الزيادة

فيقول:

﴿بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ [آل عمران: 125]

فالنبي ﷺ يقول ثلاثة آلاف تعادل - انتبه - كم مرة عدد المشركين مقارنة بالمؤمنين؟ ثلاث مرات. والثلاثة آلاف تعادل المشركين كم مرة؟ ثلاث مرات. فهو يطلب بقدر الموجود؛ فهم أكثر منا ثلاث مرات.

لا، هذا نحن سنأتي لكم بالملائكة الذين يفوقونكم ثلاث مرات. فقال له [الله]: لا، بل سأنزل لك خمسة أيضًا.

الملائكة حاربت بأسباب البشر تقوية للمؤمنين وليس بهيئتها الملائكية

في حين أن ملكًا واحدًا كان يكفي لقلب الدنيا عليهم، لكنهم [الملائكة] حاربوا معهم بأسباب البشر، وليس ملكًا ينزل بهيئته فيحارب، بل بأسباب البشر تقوية للمؤمنين.

فأصبحت ثلاثمائة [من المسلمين] في قيمة خمسة آلاف. ثلاثمائة إذن بقيمة خمسة آلاف.

معنى مسوّمين أي معلّمين وبيان أصل كلمة الاسم من الوسم

حسنًا، "مسوّمين": السِّمة هي العلامة، والوسم يسمّونها الوسم، ويسمّونه أيضًا الوشم، أيضًا العلامة. أحدهم يعمل وشمًا في وجهه أو في يديه أو كذلك، والوسم وسمٌ يعني علامة.

قال هو منه الاسم؛ لأنه علامة عليك. اسمك هذا من أين جاء؟ ما هو إلا علامة عليك. عندما نقول فلان فإن ذلك يكون علامة عليه، فهو من الوسم أو من وَسَمَ، سواء من المصدر أو من الفعل، خلافًا للكوفيين والبصريين.

موسومين أي معلّمين؛ فكان الملك إذا قتل مشركًا وضع عليه علامة ليميّزه.

رؤية المشركين للمعجزات وتكرار بشارة الله بإنزال الملائكة المسوّمين

رأوهم بأعينهم. قال [الله تعالى]: كيف تكفرون وأنا بينكم؟ إنهم يرون المعجزات أمامهم.

إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم؟ هذا سؤال: أليس كافيًا لكم؟

﴿أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]

من السماء.

﴿بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ [آل عمران: 125]

لا تخافوا، هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة.

الملائكة المسوّمون لم يتفرجوا بل حاربوا وأن النصر من عند الله وحده

لا يقفون فقط يتفرجون، منزلين يقفون هكذا يتفرجون يؤيدون؟ لا! هؤلاء مسوّمون، هؤلاء سيضربون ويُحدثون علامات في أجساد الكفار.

﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.