سورة آل عمران | حـ 474 | 126-127 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 474 | 126-127 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح القرآن في سورة آل عمران غاية نصر الله للمؤمنين بقوله: "ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين".
  • المقصود بقطع الطرف هو إزالة قوة الكفار المؤثرة وسيطرتهم، وليس إبادتهم جسديًا كما يصور البعض الإسلام.
  • الجهاد في الإسلام ليس للتدمير والقضاء على الآخرين، بل لمنع سيطرة الكفر وإسكات أهله حتى لا ينشروا فسادهم.
  • يبين القرآن أن الناس سيظلون مختلفين في عقائدهم، ولن يكون كل الناس مسلمين كما قال تعالى: "ولا يزالون مختلفين".
  • الكفر يناقض ثلاثة أمور أساسية: عبادة الله وتوحيده، عمارة الأرض، وتزكية النفس.
  • غاية الإسلام تحقيق العبادة والتعمير والتزكية، والتخلص من الفساد الذي أدى إلى موت الإنسان أمام ربه ثم أمام نفسه.
  • نتيجة هذا الفساد إباحة المحرمات كالإجهاض والشذوذ والقتل الرحيم والمخدرات.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آيات النصر والهزيمة من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ﴾ [آل عمران: 126-127]

لماذا أيّد الله المؤمنين ونصرهم وما حكمة ذلك النصر والهزيمة

لماذا أيّد الله المؤمنين ونصرهم؟ أيّد الله المؤمنين والإيمان، ونصر المؤمنين والإيمان، ومكّن للمؤمنين والإيمان، لماذا؟ هل لحُسن أجسامهم؟ هل لأداء عباداتهم؟ هل لأنهم من المقربين إلى الله؟

قد يكون، ولكن الله سبحانه وتعالى يدلّنا على حكمة ذلك النصر وعلى حكمة هذه الهزيمة؛ هذا [النصر] في شأن المؤمنين، وهذا [الهزيمة] في شأن المشركين، حتى يُعلن موقفه سبحانه وتعالى من حزب الله ومن حزب الشيطان.

معنى اللام في ليقطع طرفاً وبيان التعليل لنصر المؤمنين وخذلان المشركين

فيقول [الله سبحانه وتعالى]: لماذا؟ من أجل... اللام هنا للتعليل، يعني من أجل؛ يعني هزم هؤلاء [المشركين] ونصر هؤلاء [المؤمنين]، وأيّد هؤلاء المؤمنين وخذل هؤلاء المشركين، من أجل أن... لماذا؟

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا﴾ [آل عمران: 127]

يقطع طرفًا أو يقطع الذين كفروا كلهم؟ لا.

حقيقة أن الكفر باقٍ في الأرض وأن المسلمين لن يكونوا كل أهل الأرض

يكون الله يعني أنتم الآن مسلمون تدعون أنه: يا رب كل الناس تصبح مسلمة، يا رب كل الناس تصبح مسلمة. وسيكون ذلك، قال [الله تعالى]: لا.

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

وأغلب الأرض كذلك، ولذلك تجد المسلمين أصبحوا ربع الأرض، ولكن لم يصبحوا كل الأرض. وهذا معناه أننا طوال عمرنا سنعيش في حياة ومعنا غير المسلمين، بل ومعنا هؤلاء الذين سمّاهم الله بالكافرين.

معنى قطع الطرف في سياق الحرب والقتال وأثره على السلاح

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ [آل عمران: 127]

والطرف معروف أنه جزء في نهاية الشيء. حسنًا، نحن نتحدث في ماذا؟ الآن قال: نتحدث في الحرب والقتال والنزاع. يأتي في ذهن الإنسان ويتبادر إليه السلاح؛ لأن عندما نقول قتال فماذا يتذكر المرء؟ الرمح، وآخر يتذكر السيف، وآخر يتذكر السهم؛ لأن نحن نتحدث في المعركة هاهي، ونتحدث في قتال وهكذا إلى آخره.

طيب، عندما تذكّرت هذه الأشياء وبعد ذلك قال ماذا؟ ليقطع طرفه. طيب، اقطع هكذا طرف الرمح فيصبح عصا، اقطع هكذا طرف السهم فينتهي الأمر ويصبح عودًا، اقطع هكذا طرف السيف فلا يبقى شيء ويصبح قطعة حديد.

معنى قطع الطرف المؤثر من الكافرين وإنهاء سيطرتهم لا إبادتهم

لماذا قُطع طرفه؟ قم فورًا، ما معنى الطرف؟ يعني إذا كان هذا [الشيء] عندما يُقطع الطرف، فماذا يبقى من الباقي؟ لا يكون نافعًا.

أم لماذا؟ ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أي الطرف الذي سيُقطع إذن هو الطرف المؤثر، الطرف الذي به العدوان، الطرف الذي به التمكّن في الأرض. هكذا لم نُمكّن للكافرين في الأرض، نعم.

ولكن مع ذلك فإننا لم نَقضِ على الكافرين ولم نُبِد الكافرين ولم نُنهِ جسديًّا الكافرين، وإنما قضينا على سيطرة الكافرين. هذه هي الحكاية.

غرض الجهاد في الإسلام قطع سيطرة الكفر لا إبادة الكافرين

المسلم يجاهد في سبيل الله ليقطع طرفًا وليس ليُبيد الذين كفروا، كما يُصوّرون الإسلام والمسلمين. يُصوّرون الإسلام والمسلمين في هذا الشأن ليُبيد الذين كفروا، أبدًا! هذا ليقطع طرفًا من الذين كفروا.

حسنًا، إذا لم نقطعهم فماذا نفعل؟

﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: 127]

أي يُسكتهم. كبته، تقول: أنا مكبوت، ماذا تعني؟ لا أستطيع أن أتكلم، صامت هكذا. فيكبت يعني يضغط عليه فلا يستطيع أن يتحرك، أو لا يستطيع أن يؤثّر بكفره. أو يكبتهم.

نتيجة قطع الطرف المؤثر أو الكبت وانقلاب الكافرين خائبين

حسنًا، وبعد ذلك عندما يحدث أن الطرف المؤثر ذهب، أو عندما يحدث أنه كُتم في نفسه ولم يعرف كيف يُفسد في الأرض، فينقلب خائبًا في غرضه الذي كان [هو] شيوع الكفر.

والكفر هذا يفعل ماذا؟ يفعل ثلاثة أشياء:

  1. مناقضة العبادة والتوحيد؛ في ضد عبادة الله:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

  1. الفساد في الأرض؛ في مقابل عمارة الأرض التي يقوم بها المؤمن.
  2. اتباع الشهوات؛ في مقابل تزكية النفس التي يقوم بها المؤمن.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

غرض الجهاد الحقيقي هو العبادة والتعمير والتزكية لا التدمير والقتل

إذن هذا غرض الجهاد في الإسلام؛ ليس الغرض هو التدمير، إنما الغرض هو العبادة والتعمير والتزكية. ليس الغرض هو أن أذبح من أمامي، إنما الغرض هو:

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَآئِبِينَ﴾ [آل عمران: 127]

ونتخلّص من ضوضاء الكفر وأهل الكفر، وضوضاء الفساد وأهل الفساد، وضوضاء اتباع [الشهوات] التي ملأت الأرض وعمّت.

موت الإنسان أمام الله ثم أمام نفسه بسبب إبعاد الجانب الإلهي

والتي في النهاية مات فيها الإنسان أمام الإنسان، أمام نفسه مات، بعد أن أماتوه أمام الله. ما هو [الحاصل]؟ في موت إنسان في علاقته بربه؛ لأنهم نحّوا [الجانب] الإلهي، نحّوه أيضًا.

طيب، كن إنسانًا إذن آدميًّا، حتى لم يعد إنسانًا آدميًّا! أصبح قطعة لحم بيولوجية هكذا حياتية، نعم.

فقد مات الإنسان أولًا أمام الله، ثم مات أمام نفسه. وهذا بعد ذلك ما نهايته؟

نتائج موت الإنسان أمام الله وإباحة الفساد والشذوذ وكلمة الله هي الأطهر

هذه نهايتها التي رأيناها: فأباحوا الإجهاض، وأباحوا الشذوذ الجنسي، وأباحوا القتل الرحيم، وأباحوا المخدرات، وأباحوا الفساد في الأرض، نعم.

إذن كلمة الله هي الأطيب والأطهر:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.