سورة آل عمران | حـ 479 | 133 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 479 | 133 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الآية الكريمة "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين" تؤسس مبدأً عاماً في العلاقة مع الله.
  • المسارعة أساس هذه العلاقة، فالإنسان مطالب بالفرار إلى الله لا منه، والمبادرة بالطاعة وترك المعصية.
  • طبيعة الإنسان قائمة على الخطأ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون".
  • ليست العبرة في وقوع الخطأ بل في المراجعة والمحاسبة والتوبة السريعة.
  • الإسلام فتح باب التوبة لمعرفته بطبيعة الإنسان، فالله يقول: "لو جئتني بقراب الأرض ذنوباً ثم جئتني تائباً لغفرت لك".
  • الذنوب مهما كثرت لا يمكن أن تصل إلى قراب الأرض.
  • كرم الله لا يكتفي بالمغفرة بل يمنح الجنة التي عرضها السماوات والأرض.
  • الجنة أُعدت للمتقين الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يُحاسَبوا.
  • الإنسان مطالب بتقوى الله والمسارعة إلى مغفرته وجنته.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

المسارعة إلى مغفرة الله مبدأ عام في علاقة الإنسان بربه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]

وهذه الآية تصلح لأن تكون مبدأً عامًّا في العلاقة بين الإنسان وبين ربه، مبنيةً على المسارعة؛ فلا بدّ أن تفرّ إلى الله لا أن تفرّ من الله، فلا بدّ عليك أن تفرّ إلى الله، والفرار يقتضي المسارعة.

المسارعة تشمل الطاعة والعبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس

فلا تتأخر، لا تتأخر في الطاعة ولا تتأخر في البعد عن المعصية، لا تتأخر في العبادة ولا في عمارة الأرض ولا في تزكية النفس ولا في المراقبة والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: 133]

وهذا [الأمر بالمسارعة إلى المغفرة] مبناه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«كلُّ بني آدمَ خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون»

كل بني آدم خطّاء، وخطّاء على وزن فعّال، وهو وزنٌ يقتضي الكثرة، يعني كثير الخطأ.

العبرة ليست في الخطأ بل في المراجعة والمحاسبة والتوبة

فإن الإنسان ما دام يعمل فلا بدّ أن يخطئ، وليست العبرة في أننا نخطئ، ولكن العبرة في أن نستمر على الغلط والخطأ بعد أن ندرك خطأنا. وليست العبرة في أن نخطئ، ولكن العبرة هي في المراجعة والمحاسبة؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.

فالعلاقة بين العبد وربه مبنية على المسارعة، وطبيعة الإنسان مبنية على الخطأ وكثرة الخطأ، وعلى ذلك فلا بدّ علينا من العودة سريعًا [إلى الله بالتوبة والاستغفار].

سعة رحمة الله بفتح باب التوبة والرد على المعترضين على ذلك

والله سبحانه وتعالى قد فتح لنا الأمر فتحًا ظنّ به بعض القاصرين أن فيه تهاونًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

«يا ابنَ آدم، لو جئتني بتُرابِ الأرضِ ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرتُ لك»

فبعض الناس يقول: الله! يعني أنتم تسمحون للإنسان دائمًا أنه يخطئ؟ عندما قالوا هكذا فيما اعترضوا به على الإسلام: أنتم تعترضون على الإسلام أنه فتح باب الرحمة، أنه فتح باب العودة، أنه فتح باب التوبة! شيء غريب!

الإسلام عرف طبيعة الإنسان؛ لأن الإسلام من عند الله والإنسان من خلق الله.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

ففتح له أن يعود إذا أذنب، وإذا أذنب مرة ثانية يعود أيضًا، وعشر مرات أيضًا يعود.

طبيعة البشر بين الخطأ والتوبة وفتح باب المغفرة لهم

ماذا سنفعل إذن؟ إن طبيعة البشر أنه يأتي تائبًا اليوم باكيًا ومنتحبًا وفاعلًا كل شيء، يبكي ثم بعد ذلك في آخر النهار يعصي أيضًا، لا توجد فائدة!

ماذا نفعل به إذن؟ أنذبحه أم نفتح له باب المغفرة [والتوبة]؟ فالله سبحانه وتعالى يقول:

«يا ابنَ آدم، لو جئتني بتُرابِ الأرضِ ذنوبًا - وفي رواية البخاري في إحدى الروايات: بقُرابِ الأرضِ ذنوبًا - ثم جئتني تائبًا لغفرتُ لك»

استحالة أن يبلغ الإنسان ذنوبًا بقدر تراب الأرض مهما عاش

قال العلماء: وهل هذا يُتصوَّر؟ هو يُتصوَّر أن تأتي بقُراب الأرض ذنوبًا؟ حسنًا، افعلها هكذا: انظر كم يومًا ستعيش إلى أن يكون عندك مائة وخمسين سنة، وانظر كم ساعة في اليوم وكم دقيقة في الساعة وكم ثانية في الدقيقة، واضرب وانظر الرقم.

وسترتكب ذنبًا كل ثانية، سترتكب ذنبًا كل ثانية! ما رأيك أنه لا يوازي مترًا مكعبًا من التراب! هكذا متر مكعب من الرمل، وعُدَّ حبّاته ستجدها أكبر بآلاف المرات من عمرك لمدة مائة وخمسين سنة باعتبار الثواني.

عجز الإنسان عن بلوغ ذنوب تراب الأرض وسعة رحمة الله الواسعة

ما رأيك أنك لا تستطيع أن تعصي الله بهذا العدد! تراب الأرض، اعصِ الله بتراب الأرض ولا تعرف [أن تبلغ ذلك]، يعني أنّ [الإنسان] لا يعرف أن يعصي الله [بهذا القدر]. شخص يريد أن يعصي الله لا يعرف [كيف يبلغ هذا العدد] لكي يتمتع بهذه الميزة [ميزة المغفرة الواسعة]، لا يعرف!

لماذا فتح الله هكذا؟ إن الله واسع [الرحمة والمغفرة]؛ إذا كنت أنت لا تعرف كيف تعصي إلا في متر مكعب، فما بالك بالأرض كلها، ملايين الكيلومترات المكعبة!

الحياء من الله الكريم يقتضي المسارعة إلى الطاعة لا المعصية

أهذا الإله الكريم يستحق منك قلة الحياء والتسارع في المعصية؟ ألا تخجل وتستحي من الله الكريم الذي وسَّعها لك كثيرًا هكذا؟ [هذه السعة في الرحمة] يقتضي منك شيئًا من الندالة، يعني أنك أول ما قال لك هكذا [بأنه يغفر لك مهما بلغت ذنوبك]، الشخص السويّ يقول: أنا عمري لا أعصي الله! هذا [ربٌّ] كريم جدًّا.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

نحن سارعنا إلى مغفرة من ربنا، وربنا قَبِلَ المغفرة، انتهى.

الجنة عطاء الله الأعظم بعد المغفرة أعدت للمتقين لا للغافلين

لا يكون لنا ولا علينا، سقانا ورزقنا ومتّعنا في الحياة الدنيا، وصار يُطعمنا بعض الفواكه وبعض اللحم وبعض الطعام وبعض كذا وانتهى الأمر، لا لنا ولا علينا؟ لا! بل يقول لك:

﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]

الله سيغفر لك ولن يكتفي بذلك، بل سيعطيك أهنأ العطية، وعطيتك أعظم العطايا وأهنأها؛ أعظم العطايا جنة عرضها السماوات والأرض.

ماذا تريد بعد ذلك؟ ولذلك يجب عليك أن تتقي الله في نفسك، ولذلك ختمت الآية بقول: أُعدّت للمتقين، وليست أُعدّت للفاسقين ولا للغافلين، بل لمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ووضع لنفسه منهاجًا مع ربه أساسه:

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]

بما يشتمل عليه من تقديم الشكر والحمد والخضوع والحب لله رب العالمين. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.