سورة آل عمران | حـ 481 | 134 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •وصف الله المتقين في سورة آل عمران بأنهم ينفقون في السراء والضراء، والإنفاق معناه العطاء والكرم وهو أساس الحب.
- •المتقون لا يتغيرون في إنفاقهم سواء كانوا في يسر أو عسر، وهذا يعكس ثقتهم بالله.
- •من أمثلة الكرماء: أحمد باشا حمزة الذي كان يوزع للفقراء أربعة عشر ألف جنيه ذهب، واستمر بالإنفاق حتى بعد فقدان ثروته.
- •قصة أحمد باشا حمزة مع الحصان تظهر الوفاء، حيث باع حصانه ثم استعاده بعدما علم أن الحصان يتألم من الإهمال.
- •المتقون يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس، كما في قصة سيدنا الحسن مع عبده، حيث كظم غيظه وعفا عنه وأعتقه.
- •هذه الصفات تحتاج إلى تربية سابقة وإعداد، ليصبح الإنسان ربانياً يتلقى البلاء والحوادث على منهج الله.
مقدمة في صفات المتقين وآية الإنفاق في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في صفة المتقين الذين أعدّ لهم الجنة وجعلها في عرض السماوات والأرض، عرضها السماوات والأرض:
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 134]
وهذه هي الصفة الأولى للمتقين: الإنفاق.
العلاقة بين الإنفاق والعطاء والكرم والحب في حياة المتقين
والإنفاق معناه العطاء، والعطاء معناه الكرم. والعطاء هو أساس الحب؛ لأن تعريف الحب ما هو؟ قالوا: الحب عطاء.
فيصبح كأن الناس الذين يتحدث عنهم هؤلاء:
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 134]
يعرفون كيف يحبون، طبيعتهم كرم. ما دام هناك إنفاق فهناك كرم وعطاء، فهناك حب.
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 134]
لا تفرق معهم؛ أي وهو في السراء ينفق، وهو في الضراء أيضًا ينفق. المعاني لا تختلف عندهم.
قصة كرم أحمد باشا حمزة وإنفاقه على فقراء المدينة المنورة
كان عندنا هنا في مصر أناس من الكرماء مثل حاتم الطائي، هكذا مشهورون. كان منهم أحمد باشا حمزة، وكان منهم عبد الله الجيار. يُروى عنهم أشياء مثل ما تكون أساطير تُحكى عن حاتم الطائي.
فأحمد باشا حمزة كان عندما يذهب إلى المدينة [المنورة] يذهب لفقرائها بأربعة عشر ألف جنيه ذهب، وهو داخل هكذا يعطي ويوزع. كرم [عظيم]!
وكان يحب الخيل:
قال رسول الله ﷺ: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة»
إنفاق أحمد باشا حمزة في الضراء بعد مصادرة ثروته وثقته بالله
وبعد ذلك أُمِّمت [ثروته] في المصادرات وما إلى ذلك، حتى أُمِّمت ثروته. فأعطى كما كان [ينفق]. قالوا له: يا سيدي أنت لم تعد معك ما يكفي. قال: لا!
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 134]
أنا كنت في السراء أنفق، سأنفق في الضراء. قالوا: إلى متى؟ قال: حتى أكون مثل الآخذ الذي أعطيه، هو يأخذ مني. إذن حتى أكون أنا وهو معًا عشاؤنا عليك يا رب [بمعنى أنه لا يجد نقودًا للطعام]، هكذا لأجلك يا رب.
فما هذه الثقة بالله! هذه ثقة بالله مفرطة يا إخواننا.
قصة بيع الحصان الأصيل والوفاء له بعد سوء معاملة المشترين
فلكي يقوم بعمله [في الإنفاق] وليس لديه موارد، فذهب وباع حصانًا من الخيول العربية الأصيلة ليأخذ ثمنه وينفق في النفقات المترتبة عليه.
وبعد ذلك جاء الناس الذين اشتروا الحصان بعد خمسة أو ستة أيام وقالوا له: يا رجل، الحصان صاحبكم هذا لا يأكل وسيموت. قال لهم: الله! أنتم ماذا فعلتم به؟ قالوا: لا شيء ولم نفعل به شيئًا. أضربتموه؟ قالوا: لم نضربه. أهنتموه؟ قالوا: لم نُهِنْه. الفرس يحزن عندما يُضرب الأصيل.
فماذا فعلتم إذن؟ اشرحوا لي. هكذا قالوا: لا شيء، نحن فقط بالكاد علّقناه في الكاريتا [العربة]. علّقتموه في الكاريتا؟ علّقتموه في العربة؟ فقالوا: نعم.
كرامة الحصان الأصيل وعدم جواز إهانته بربطه في العربة
فقال لهم: حسنًا، أحضروه إليّ. أنتم يبدو أنكم لا تفهمون شيئًا ولا تفهمون ما معنى حصان. هذا الحصان شيء يختال ويذهب ويأتي هكذا، هو هذا!
أنت تريد أن تعطيه سكرًا، تريد أن تربّت عليه، تريد أن تركبه وتحتضنه، لكن أن تضعه في العربة لا يصح!
بالله عليكم، أتكون هذه القلوب التي لا يرضى الله عنها؟ الوفاء حتى للحصان!
استرداد الحصان وفاءً له والدرس المستفاد من الإنفاق في السراء والضراء
وذهب [أحمد باشا حمزة] وأخذ من هنا ومن هناك، ما هو في ضراء [أي في ضيق مالي]، وأحضر الحصان مرة أخرى وفاءً للحصان. الذي سيوفي مع الحصان لن يوفي مع البشر؟ هذه هي الحكاية.
فماذا نتعلم منه إذن؟ أن الحب عطاء، وأن الإنفاق في سبيل الله لا بد أن يكون على هيئة واحدة إذا كنا نثق بالله رب العالمين؛ فالسراء كالضراء.
﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: 134]
وبعد ذلك لما جاءه الفرس فعل ماذا؟ ما شتمهم ولا شيء، قال لهم: لا، ما عليهم شيء، كل واحد على عقليته.
قصة سيدنا الحسن مع عبده وتطبيق آية كظم الغيظ والعفو عن الناس
إذن:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
كظم غيظه، عفا عنهم. ولذلك يُروى عن الحسن أخي سيدنا الحسين، سيدنا الحسن [بن علي رضي الله عنهما]، أن عبدًا من عبيده كان يوضّئه، والعبد يبدو كان حاضرًا الدرس [أي درس العلم]، فهم كانوا يحضرون الدرس ويعرفون كيف يخاطبون الناس.
فارتكب [العبد] خطأً، فغضب الحسن، فقال له [العبد]:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]
قام فورًا! قريبة الحكاية [أي الاستجابة كانت سريعة]، لم تأخذ تفكيرًا من سيدنا الحسن، ولم يقل: يعني كيف أكظم غيظي؟ يعني ماذا تريد أن نفعل؟ لا، بل فهمها على الفور؛ لأنه يعيشها.
تطبيق سيدنا الحسن لمراتب كظم الغيظ والعفو والإحسان بعتق العبد
قال له [العبد]:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]
فقال [الحسن]: كظمت غيظي. هذه الاستجابة لا تكون إلا بتربية سابقة. لا ينفع أن نقول لأحد: اكظم غيظك وهو مثل [الفاصولياء في النار]، أي في ثورة الغضب هكذا، فلن نجده يسكن. لا، بل إن لديه عقيدة وتربية سابقة.
قال له [العبد]:
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]
قال له: كظمت غيظي. قال له:
﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]
قال: عفوت عنك. قال له:
﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
قال له: اذهب فأنت حرّ. انتهى الأمر، وذهب في طريقه وأعتقه. أعتقه!
صفات المتقين تحتاج إلى تربية سابقة ومنهج رباني لمواجهة البلاء
هذا معناه ماذا؟ هي ثروة إذن [أي أن هذه الأخلاق ثروة عظيمة]. ولكن هذا الرجل [العبد] مخطئ، تعال نجازيه. نعم؛ لأنه لله سنجازيه عندما يكون هناك برنامج للعمل [أي نظام للمحاسبة]، لكن هذا [العتق كان] لله.
ولذلك هذه هي صفات المتقين الذين أُعدّت لهم الجنة. وهذا يحتاج إلى تربية سابقة لها مناهجها ولها طرقها ولها كيفيتها، حتى إذا ما جاء البلاء ونزلت الحوادث كان هناك إنسان رباني يتلقاها على منهج الله.
﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
