سورة آل عمران | حـ 482 | 134-135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 482 | 134-135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تحدث النص عن صفات المتقين الواردة في سورة آل عمران، حيث ذكر منها خمس صفات رئيسية.
  • العطاء والإنفاق هو العنصر الأول من صفات المتقين بما يتضمنه من حب وكرم.
  • كظم الغيظ هو الصفة الثانية، وهي ليست صفة قاصرة على النفس فقط بل تتعدى لنفع الآخرين.
  • العفو عن الناس هو الصفة الثالثة، والإحسان هو الصفة الرابعة.
  • الصفة الخامسة هي الاستغفار عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس.
  • الفاحشة تشمل كل ما يخرم المروءة من أقوال وأفعال قبيحة، وليست محصورة في الزنا فقط.
  • ظلم النفس يأتي بمعنيين: التفريط في الطاعات، والإفراط في التكليف بما لا تطيق.
  • عند الوقوع في الخطأ يجب ذكر الله واستغفاره مع استحضار القلب.
  • الاستغفار يتطلب الإقلاع عن الذنب والندم وعدم العودة إليه ورد الحقوق.
  • يجب عدم الإصرار على المعصية وعدم تبريرها، ويشمل الاستغفار ما علمنا وما لم نعلم.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان صفات المتقين في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعدد لنا صفات المتقين الذين يسارعون إلى مغفرة منه سبحانه وتعالى، والذين أعد لهم باعتبارهم من المتقين الجنة التي عرضها السماوات والأرض.

صفات المتقين الأربع: الإنفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان

وبعد أن بيّن لنا [ربنا سبحانه وتعالى] أن العطاء والإنفاق هو العنصر الأول من صفات أولئك المتقين، بما يشتمل عليه من حب وكرم، وأن كظم الغيظ أيضًا من خُلُقهم.

وليس كظم الغيظ مسألة تتعلق بصفة قاصرة في النفس فقط، بل إنها تتعدى إلى نفع الناس وإلى أن يكون هناك عفو عن الناس. يعني ليس فقط أن يكظم غيظه:

﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]

فتكون صفتين: واحدة قاصرة وواحدة متعدية.

﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

فـالإحسان هنا أيضًا من صفاتهم. فالصفات هي: الإنفاق، والكظم، والعفو، والإحسان.

معنى الفاحشة في قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـٰحِشَةً﴾ [آل عمران: 135]

فتكون النقطة الخامسة [من صفات المتقين] هي: والذين إذا فعلوا فاحشة. فما هي هذه الفاحشة؟ قالوا: الفاحشة هي البذاءة، ليست الفاحشة هذه يعني مثل الزنا. قال: لا، ليس ضروريًا أن يكون زنا، هذا قد يكون سبًّا وطول اللسان وتجريحًا، كلام لا يقوله إلا أولاد الشوارع، هذه فاحشة.

ومن ضمنها حكاية الزنا وما حول الزنا، هذه يبقى هذا فرد من أفراد الفاحشة وليس هو عين الفاحشة.

شمول الفاحشة لكل خوارم المروءة بما فيها الكبائر

إلا أن يأتين بفاحشة، ليست [بالضرورة] زنا، هذا يمكن أن تكون [المرأة] تؤذي أهل زوجها بالشتم والبذاءة والصريخ، نعم هذه تبقى فاحشة.

إذن الفاحشة هنا تشتمل على كل خارم من خوارم المروءة بما فيها الكبائر، تظل تتدرج هكذا حتى تصل إلى الكبائر.

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـٰحِشَةً﴾ [آل عمران: 135]

يبقى فعلوا ماذا؟ ما لا يليق، سواء كان ما لا يليق هذا في حد البذاءة، أو كان ما لا يليق هذا بارتكاب المحرمات، هي إنها بذاءة أيضًا، ما هي قاذورات.

معنى ظلم النفس بالتفريط في الطاعات والابتعاد عن المعاصي

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135]

ظلم النفس يأتي على معنيين: المعنى الأول التفريط، والمعنى الثاني الإفراط.

فالمعنى الأول التفريط: فقد ظلمت نفسك لأن الله عندما أرشدك لفعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي لم تحصّل لا طاعات ولم تبتعد عن المعاصي، فظلمت نفسك. كانت لديك فرصة للنجاح وما رضيت أن تنجح.

شخص لا يريد أن يذهب إلى الامتحان وهو يعلم وكل شيء ممكن، هذه الأسئلة سهلة، لكنه لا يريد أن يذهب، فهذا ظلم نفسه بماذا؟ بالتفريط.

ظلم النفس بالإفراط والخروج عن الهدي النبوي في العبادة

وهناك ظلم نفس من نوع آخر بالإفراط، الذي هو فيه يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني»

من رغب عن سنته، هو سنته ما هي؟ التيسير، الاعتدال، الوسطية. فجاء قوم بعضهم قال: نقوم فلا ننام، وآخر قال: أصوم ولا أفطر، والثالث قال: لا أتزوج النساء.

فجاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

قال رسول الله ﷺ: «ألا إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»

الرغب عن سنته كيف؟ بأنه يزيد.

كلما زاد العبد في الشدة ابتعد عن النموذج النبوي ونقصت درجاته

فكلما زاد كلما نقص، كلما زاد في الأعمال التي فيها شدة، التي فيها ملل، التي فيها مجهود، التي فيها خروج [عن الهدي النبوي]، كلما ابتعد عن النموذج النبوي والهدي النبوي فنقص عند ربنا.

تبقى تصلي أكثر وتأخذ درجات أقل؛ لأنك زدت عن النبي عليه الصلاة والسلام. يبقى إذن هذا العاقل خصيم نفسه، لا بد أن تعرف أن هذه الزيادة التي من عندك هذه أيضًا خروج ولكن بالإفراط، ظلم لنفسك ولكن بماذا؟ بالإفراط.

النهي عن إذلال النفس بتكليفها ما لا تطيق من البلاء

فظلم نفسه بأن كلّفها ما لا تطيق، وهنا يقول رسول الله [صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لأحدكم أن يُذلّ نفسه، قال: وكيف يُذلّ أحدنا نفسه يا رسول الله؟ قال: يكلّفها من البلاء ما لا تطيق»

فيصبح غير عاقل ويحمّل نفسه أكثر من طاقته، فيصبح هذا الظلم بماذا؟ بالإفراط.

وهناك ظلم بالتفريط: أن تسير هكذا وتظل تقع هكذا [في المعاصي والتقصير].

خطة التوبة عند فعل الفاحشة: ذكر الله والأذكار الطيبة

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 135]

الخطة ما هي؟ ماذا نفعل؟ ذكروا الله. قل هكذا: استغفر الله، سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، سمّوها الكلمات الطيبات.

aذكر الله، وعلّمنا إذن أشياء كثيرة: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. أذكر الله هكذا، ومعنا أذكار كثيرة جدًّا علّمها لنا [رسول الله ﷺ].

هذه نحن قلنا بعضًا منها، ها نحن نعرفها جميعًا: سبحان الله، والحمد لله، لا إله إلا الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، أستغفر الله، توكلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد. هذه أذكار جميلة.

أثر ذكر الله باللسان في استحضار القلب والتوبة

ذكروا الله. طيب، عندما تذكر بلسانك تستحضر قلبك؟ عندما تقول حتى سبحان الله، آه لفظ الجلالة هو الله، فإنك تهيئ قلبك للحضور.

نعم، تذكر هذا: أنا عبد وربي سيحاسبني وقال لي وعلّمني، فماذا أعمل؟ عندما أذكر الله:

﴿فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135]

والاستغفار يعني طلب الغفران. وطلب الغفران هذا كيف يكون؟ بأن تقول: استغفر الله، بأنك أنت مع هذا الاستغفار ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.

شروط الاستغفار الصحيح: الإقلاع والندم والعزم ورد الحقوق

الألف والسين تدخل للطلب، يعني طلب الغفران. وتطلب الغفران كيف؟ بأنك أول شيء تُقلع عن الذنب، وأن تندم عليه، وأن تعزم ألا تعود إليه مرة أخرى.

وإن كانت هذه الفاحشة في حق الناس فتردّ إليهم حقوقهم. إذا كان أحد اغتصب قطعة أرض أو سرق أو غير ذلك، يردّها لأصحابها مع طلب المسامحة.

﴿فَٱسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135]

استغفرت لذنبك من الله:

﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 135]

النهي عن الإصرار على الذنب وتبرير المعاصي للنفس

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135]

لا تبرر لنفسك! لا تقل: لا، ما أنا أخذت منه نعم المال، ولكن هو يستحق أن نأخذ منه المال، هذا رجل ظالم. والله وما شأنك؟ أنت وما شأنك بالظلم؟ أنت ظالم أنت أيضًا؛ لأنك أخذت منه مالًا.

هذا رجل مفسد، ولكنك أصبحت مفسدًا مثله، كيف تبرر لنفسك؟

﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135]

يعني لا يستمرون ولا يبررون لأنفسهم مثل هذا.

أهمية العلم في المحاسبة والاستغفار مما عُلم وما لم يُعلم

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]

يبقى إذن العلم عليه درجة:

﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]

ومن أتى بشيء من هذا من غير علم فليستغفر الله. ولذلك النبي [صلى الله عليه وسلم] علّمنا وقال:

قال النبي ﷺ: «اللهم اغفر لي ما علمتُ وما لم أعلم»

يعني يمكن للإنسان وهو ما في الطريق هكذا يعمل شيئًا لا ينتبه إليه، فكذلك أيضًا هذه معها: اغفر لي هكذا على الفور؛ لأنه واسع كريم سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.