سورة آل عمران | حـ 484 | 137-138 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يذكر القرآن في سورة آل عمران توجيهاً ربانياً للمسلمين بالاستفادة من التاريخ ودراسة سنن الله في الأرض: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".
- •السير في الأرض أمر رباني لجمع المادة العلمية ودراسة تجارب الأمم السابقة، ويكون ذلك باستخدام الحس والعقل معاً.
- •عند ترك المسلمين لمجالات العلوم والحياة، يملؤها غيرهم، فالحياة لا تسير في فراغ.
- •من سنن الله أن الفراغ يُملأ إما بالإيمان أو الكفر، بالتعمير أو التدمير.
- •القرآن موصوف بأنه "بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، وليس غرضه الهجوم أو الرد على الخصوم.
- •للقرآن خمسون صفة منها: هدى ونور وشفاء وفرقان وكتاب وبيان وموعظة.
- •هذه الصفات تلازم القرآن في كل موضع، وليست مقتصرة على مكان دون آخر، فهو كتاب لحياة الناس أجمعين.
مقدمة في سورة آل عمران وربط الماضي بالحاضر واستنباط السنن الإلهية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يربط الماضي بالحاضر، ويعلّم المسلم كيف يستفيد من التاريخ، ويعلّمه منهجًا علميًّا منضبطًا للتأمل في الاجتماع البشري، واستنباط سنن الله سبحانه وتعالى منه، والتعامل مع هذه السنن على مقتضى رضوان الله سبحانه وتعالى.
يقول [الله تعالى]:
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 137]
الأمر بالسير في الأرض والاستفادة من تجارب الأمم السابقة في مختلف المجالات
إذن هو [الله سبحانه وتعالى] يخبرنا بالتجربة التاريخية في أن هناك أناسًا كانوا من قبلكم، ولهم تجربة في النظم وفي الاجتماع البشري وفي الحياة وفي العلوم، ويجب عليكم أن تتخذوا أدوات العلم من أجل الكشف على هذه الحالة.
فإذا يمكن موضوع الأنثروبولوجيا نجعله هنا، وموضوع الآثار نجعله هنا، وموضوع الفولكلور نجعله هنا، وموضوع هذا شيء غريب في الشكل [أي أن هذه العلوم تبدو غريبة لكنها مطلوبة].
﴿فَسِيرُوا﴾ [آل عمران: 137]
لكن الأنثروبولوجيا مبناها على شيء ضد العقيدة؛ لأنها تفترض التطور، أن الدنيا تتطور بعضها من بعض، يعني فيها مادية، يعني ليس فيها ربنا [أي لا تعترف بالخالق].
إدخال الإيمان بالله في دراسة العلوم الإنسانية والسير في الأرض كما أمر الله
فماذا لو دخلنا الإيمان بالله واشتغلنا [بهذه العلوم على أساس إيماني]؟ سيحدث شيء ما! يقول [الله]: أهو
﴿فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 137]
سيحدث شيء [عظيم]. فالثاني [أي المعترض] يقول لك: لا، أنت هكذا خالفت الذي وضع العلم هذا. والذي وضع العلم هذا كان نبيًّا، والذي وضع العلم هذا حتى كان مؤمنًا.
ادرس كما أمرك الله فسترى العجب العجاب، وتستفيد الفائدة الكبرى.
﴿فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 137]
عواقب ترك السير في الأرض وسنة الله في ملء الفراغ بالإيمان أو الكفر
ماذا يحدث إذا لم نسر في الأرض؟ فسيكون عملنا معصية؛ لأن الله أمرنا ولم ننفذ. أنشأنا فراغًا فملأه الآخرون؛ الدنيا لا تسير في فراغ، إنما إذا فرّغنا الحياة وانسحبنا ملأها الآخرون.
هذا هكذا في كل شيء، قاعدة وسنة أن الله سبحانه وتعالى لا يترك الشيء فراغًا؛ فإذا لم يُملأ بالإيمان سيُملأ بالكفر، لم يُملأ بالتعمير سيُملأ بالتدمير. ما من شيء اسمه لا تعمير ولا تدمير، لا إيمان ولا كفر، ما من شيء كذلك.
فمن المخطئ: الذي دخل أم الذي خرج؟ إذن الذي خرج هو المخطئ.
﴿فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 137]
جمع المادة العلمية والنظر بالحس والعقل لمعرفة عاقبة المكذبين
هذه واحدة [من الفوائد]، إذن جمع المادة يعني العلم والبناء عليه.
﴿فَٱنظُرُوا﴾ [آل عمران: 137]
والنظر هذا استعمال للحس واستعمال للعقل؛ لأن النظر يُطلق ويُراد منه هذا [الحس]، ويُطلق ويُراد منه هذا [العقل]. النظر بمعنى العين والرؤية، والنظر بمعنى الرأي. فالنظر يُطلق على الرؤية والرأي معًا.
﴿فَٱنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]
سنستنبط منها أن الناس لما صاروا على الإيمان ترقّوا، وأنهم لما عمروا دنياهم دون آخرتهم عمرت معهم ثم انهارت، وأصبح هناك قوانين لقيام الحضارات وانهيارها.
ما هذه القوانين وكيف نشأت تلك الحضارات وكيف انهارت؟ هذا [يُعرف بالسير في الأرض والنظر في التاريخ].
القرآن بيان للناس وليس هجومًا ووسيلة المؤمن هي البيان لا الصدام
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
هذا ليس ردًّا على أحد ولا هجومًا على أحد، هذا بيان للناس. إذن لدينا ثلاثة أشياء: البيان والردود والهجوم.
فالمؤمن ما وسيلته؟ بيان ما هو عليه، لا شأن له بغير ذلك بالصدام والخصام، وإلا أن قلتم قلنا وهكذا [من الجدال العقيم].
هذا بيان للناس، ها نحن قاعدون نشرحه، هذا بيان للناس.
صفات القرآن الكريم الخمسون ومكانته في حياة المسلم كبيان وهدى وموعظة
القرآن له أكثر من خمسين صفة ذكرها القرآن: أنه هدى، وأنه نور، وأنه شفاء، وأنه فرقان، وأنه كتاب، وأنه بيان، وأنه موعظة، وأنه... خمسون صفة.
ولو أنك تأملت كذلك أن الكتاب هذا، هناك الصفات هذه يقومون عليها بدراسة، قاموا عليها بدراسة، الله! فما هذه الألفاظ معناها وما هو مكان الكتاب في حياة المسلم؟
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138]
فهو بيان وليس فيه شيء من الهجوم ومن التكذيب ومن التفاصيل [غير المفيدة]، وليس فيه هجوم ولا ردود، وإنما فيه بيان.
البيان القرآني قد يقتضي كشف العوار لكن قصده الإظهار لا إغضاب الخصم
قد يقتضي البيان شيئًا من كشف العوار، قوم [أي أحيانًا] يكشف العوار، ولكن المهم لأنه ماذا؟ بيان. ليس قصده أن يُغضب الخصم، وإنما قصده أن يبيّن للعالمين. ليس قصده أن يُهين الخصم، وإنما قصده هو بيان للعالمين.
فلما يأتي هنا [في القرآن] ويقول لي:
﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
أضعها في ذهني ولا أنساها، سيظل طوال القرآن من أوله إلى آخره وهو موصوف بأنه بيان للناس.
صفات القرآن الثابتة من الهدى والموعظة تصفه ككتاب لحياة الناس أجمعين
عندما يأتي هناك [في القرآن] ويقول لي هدى للمتقين، سيظل هو هدى للمتقين. عندما يأتي هنا ويقول لي هو موعظة للمتقين، سيظل كذلك طوال عمره موعظة للمتقين.
وهكذا في صفات القرآن كلها كما وردت في القرآن الكريم، أنها تصفه ليس في مكان دون مكان، ولكن تصفه هو ككتاب لحياة الناس أجمعين، خاصة المسلمين، تصفه بهذه الصفات عالية المقدار.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
