سورة آل عمران | حـ 486 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 486 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص تفسيراً للآية "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس" من سورة آل عمران.
  • يوضح أن الله يعلم المؤمنين حقائق الحياة في مختلف أحوالها، وأن الأمر ليس مرتبطاً بالرفاهية مع الإيمان أو الضيق مع الكفر.
  • يتعمق في تحليل كلمة "قرح" لغوياً بتقليب حروفها (قرح، حرق، حقر، رحق)، مبيناً أنها تدل على ألم داخلي عميق.
  • يبين أن المؤمنين والكافرين يصيبهم الألم النفسي الداخلي، وهذه سنة كونية.
  • يشير إلى أن عبارة "وتلك الأيام نداولها بين الناس" تحمل معاني عميقة تستحق التأمل والدراسة.
  • يذكر أن الله يتخذ من المؤمنين شهداء على عصرهم، فهم شاهدون ومشهود عليهم.
  • يختم بضرورة تأمل القرآن في دلالات ألفاظه وتراكيبه واستنباط ما يحيط بمعانيه.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في تعليم المؤمنين حقائق الحياة من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُعلِّم المؤمنين حقائق الحياة في الحرب وفي السلام، في الضيق وفي السعة، في السراء وفي الضراء، والأيام دُوَل.

ويُعلِّمهم الحقائق وأنَّ الأمر ليس متعلقًا بالرفاهية مع الإيمان وبالضيق مع الكفر أبدًا؛ هي حياة خلقها الله سبحانه وتعالى على حكمة عالية من عنده، ودفع الناس بعضهم ببعض وحرَّكها سبحانه وتعالى.

لا علاقة للترف بالإيمان ولا للضيق بالكفر في سنة الله الكونية

نصر [الله] المؤمنين في بدر وأخَّر النصر عنهم في أُحُد، إذن فالدنيا لا علاقة للترف بالإيمان ولا بالضيق بالكفر.

فلو كان كل كافر يُضيَّق عليه وكل مؤمن يُفتَح له، إذن فلن يحتار أحد، وكان كل من في الأرض آمن حتى ينال الرفاهية ويترك الكفر حتى ينال البُعد عن الضيق.

لكنه [سبحانه وتعالى] لم يخلق الدنيا على هذه الحالة، وعلَّمنا الحقائق فقال:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140]

تحليل لغوي لكلمة قرح وتقليب حروفها للكشف عن معاني الألم

قرح، انظر إلى الكلمة: قرح. ما القرح هذا؟ إن يمسسكم قرح، اللغة العربية لكي تعرف عمقها قلِّب الحروف. هذه الكلمة مكونة من كم حرف؟ ثلاثة: القاف والراء والحاء.

اقلبها ستصبح حرق، عندما تجعل الحاء أولًا والقاف تجعلها في الآخر: حرق. الحرق هذا شيء جيد أم فيه ألم؟ فيه ألم، فيه أثر للحريق؟ فيه أثر.

إذن القرح هذه يجب أن تكون ما فيها أي شيء من الألم. قرح، ومنها سُمِّيت البثرة في المعدة قرحة. يقول لك: هذا عنده قرحة في المعدة. ما هذه القرحة؟ عندما تراها تجدها شيئًا مثل شيء مجروح، شيء يريد أن يلتئم. إذن القرح هذا شيء مؤلم، شيء على غير العادة.

تقليب مادة قرح إلى حقر ورحق والكشف عن دلالات الألم الداخلي

اقلبها مرة أخرى: قاف وراء وحاء فتصبح حقر، والحقر هو أن يحتقر أحدهم الآخر. هكذا، هل هذا شيء جيد أم شيء مؤلم؟ مؤلم نفسيًا، عندما يأتي أحد ليحتقرك، بخلاف عندما يحترمك أحد.

إذن فـقرح لا بد أنها مادة فيها نوع من أنواع الألم: قرح، حقر، حرق، لن تنفكَّ عن الألم.

اجعل الراء أولًا: قال رقح، ما معنى رقح؟ قال: ما لها معنى، قال: إذن نتركها؛ لأن العرب لم يستعملوها. هل أنت منتبه؟ فماذا عن ورحق؟ قال: لا، العرب استعملوا ومنها الرحيق. وما هو معنى رحق؟ قال: يعني خلاصة الشيء من داخله والاستخراج.

قال الله [سبحانه وتعالى]: وعندما يصل إليك الألم من الداخل يكون ألمًا شديدًا أم لا؟ إذن هذه الكلمة أيضًا فيها شيء بالداخل، ليس ألمًا ظاهريًا مثل قليل من الصداع وينتهي الأمر، لا، هذا همٌّ ثقيل داخل في القلب.

فهم الصحابة لكلمة قرح من حروفها وإدراكهم لعمق الألم الداخلي

يا أهل، انظروا هذا الكلام عندما كان يسمعه سيدنا عمر أو سيدنا أبا بكر:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140]

فيكونوا فاهمين من الحروف نفسها الحالة النفسية التي بداخلهم. أجل، هذا هو القرح: متألم من الداخل، ألم مثل السكاكين بالداخل.

أين السكاكين هنا في النص؟ لا يوجد، لكن ماذا يوجد؟ القاف والراء والحاء. هذا الفرق بيننا وبينهم [الصحابة رضي الله عنهم].

نحن نسمع:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140]

ونظنه شيئًا بسيطًا. لا، ليس شيئًا بسيطًا. القرح يعني شيئًا مؤلمًا من الداخل، عصرتك عصرًا. الرحيق، انتبه، الرحيق تُعصَر عصرًا، الزهرة تُعصَر عصرًا أي تُخرِج الرحيق الخاص بها، فيكون الرحيق أيضًا شيئًا داخليًا، فيكون هذا الألم داخليًا.

القرح سنة إلهية مشتركة بين المؤمنين والكافرين في المعارك

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]

ليس أنت فقط، هذه إذن سنة إلهية. أنت تتحمل الألم النفسي هذا من الداخل، ولكن هم يحملونه أيضًا، وهو نفسه من أي ناحية؟ هو نفسه من ناحية كونه قرحًا؛ أي أنه ألم داخلي نفسي؛ لأنك أضعت له مصالحه، وربما تكون قد تسببت له في محاولته الاعتداء عليك.

العناء والمشقة وعنده أناس ماتوا أيضًا، ما دام قد حرَّك جيوشًا ضدك.

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

السنة الكونية في مداولة الأيام بين الناس وعظمة القرآن في بيانها

هذه هي السنة الكونية، الأيام دُوَل، ما طار طائر وارتفع إلا كما طار وقع.

ولو ظللنا:

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

نشرح فيها اجتماعيًا ونفسيًا وتاريخيًا لن ننتهي. يمكن أن نقف عندها ونظل نشرح فيها سنوات طويلة ونُنشئ عليها علومًا طويلة عريضة.

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

ولن ننتهي. لماذا؟ لأن القرآن لا تنتهي عجائبه؛ لأن القرآن هداية للحياة. فالقرآن يقول لك حقيقة في كلمتين أو ثلاث، إنما سبحان الله تقوم عليها حياة البشر.

هذه الحقيقة يجب أن تستقر في نفسك وأن تصبح منهج حياة لديك.

معنى اتخاذ الشهداء والشهادة على العصر وختام التأمل في الآية

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: 140]

شهداء جمع شهيد، شاهد ومشهود. الناس يشاهدونك وأنت تشاهد الناس، فستكون شهيدًا على عصرك شاهدًا عليهم.

﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]

حقيقة، إذن في آية واحدة تكلَّم عن سنة وتحدَّث عن مبدأ وتحدَّث عن حقيقة وأمر ونهى وهدى سبحانه وتعالى.

بناءً على ذلك يجب علينا أن نتأمل القرآن في دلالات ألفاظه وفي تراكيبه، وأن نستنبط منه ما الذي يحيط بهذا كله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.