سورة آل عمران | حـ 487 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية القرآنية: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله" مبيناً أنها دعوة للمؤمنين إلى الرضا والتسليم وعدم الشكوى.
- •توضح الآية أن ما يصيب المؤمنين من ألم يصيب أعداءهم أيضاً، مما يدل على أن الله لم يوقع المؤمنين في المصائب بسبب إيمانهم.
- •كلمة "المس" في الآية تتعلق بما يؤثر في الداخل وليس في الخارج، فالقرح يمس النفس من الداخل.
- •المثلية في قوله "مثله" تشير إلى المشابهة وليست المساواة الكاملة في الكمية، فقد يعاقب الله الكافرين بأعظم مما يصيب المؤمنين.
- •ترتبط الآية بما قبلها "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" لتطمئن المؤمنين وتهدئ نفوسهم.
- •المثلية هنا تفيد السنة الكونية في المقارنة وليست مثلية النزول والتنزل بالمس على الطائفتين.
مقدمة تفسير آية القرح من سورة آل عمران ودعوة المؤمنين للرضا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبين لنا الحقائق ويهدينا إلى سواء السبيل:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]
إذن فلا تعتقد أنك وحدك الذي مسه القرح، وهذه دعوة للمؤمنين إلى عدم الشكوى؛ قل الحمد لله ولا تقل ولا تشتكِ، وإلى عدم جلد النفس الذي هو على ألسنة الناس في القيم السلبية التي يعيشون فيها.
الشكوى من الحظ والرضا بقدر الله في ضوء آية القرح
كأننا لا نرضى بحظنا السيء الذي قال عنه الشاعر: كل من في الكون يشكو حظه، ليت شعري هذه الدنيا لمن؟ لما من لا يرضى بما أقامه الله فيه، فلمن خُلقت هذه الدنيا إذن؟
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]
وهذا يدل على الرضا والتسليم لله رب العالمين، ويدل على كيفية التعامل مع حقائق الحياة اليومية، وأن الله سبحانه وتعالى لم يوقعك في المصائب بسبب إيمانك، وليس أيضًا بسبب كفرهم قد مسهم القرح.
معنى المثلية في القرح وتطييب خاطر المؤمنين بالمساواة في الابتلاء
ولذلك أمر غريب جدًا، ما هذه الحكاية؟ قرح مثله، ما قال [الله تعالى] قرح فحسب، بل:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140]
ما هو هذا قرح وهذا لا؟ هذا مثله، هذا يكون تطييبًا لخاطري، أنا إذن هذا تطبيب لخاطري.
ويقول لي: أيها العبد، لا أنت ولا هو، لا العدو هذا من العدو هذا الذي يحارب الله ورسوله، من العدو هذا الذي يجاهر الله بالمعصية، هذا حزب الشيطان، لا أنت ولا هو، وأنتم في صنعتي لا تجري عليكم الأحكام التي خلقتها كونًا، بل تجري عليكما:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]
تحليل قضيتي المس والمثلية في آية القرح من سورة آل عمران
حسنًا، نريد إذن سنرى قضيتين:
- القضية الأولى: حكاية المس، هذا المس.
- القضية الثانية: هي حكاية المثلية.
المس يعني ماذا؟ فقال: كلمة المس هذه مأخوذة من الكلمة "مسس"، أي من الجذر "م س" ميم وسين. وهذه عندما نفتح المعجم ونبحث عن المس هذه، نجدها شيئًا في معانيها كلها ما نحن نبحث عنه؛ المعنى المشترك للكلمات والألفاظ حتى في المادة وحدها، حتى لو لم يكن ينفع أن نقلبها كما قلنا مرة: قرح وحرق ورحق وهكذا.
الفرق بين المس واللمس في الاستعمال القرآني والدلالة اللغوية
مس، طب ما هي؟ لا تتقلب، ولكن تُستعمل في ماذا؟ والله تُستعمل في شيء كله متعلق بالداخل ليس بالخارج، وقبالتها "لمس" تُستعمل في الخارج ليس في الداخل.
فلما نأتي في مس الشيطان، والشيطان ومسه الشيطان، هذا كيف يمسني؟ كيف يدخل إلى الداخل؟ يعني يذهب يوافق:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [الأعراف: 20]
يعني يدخل إلى الداخل. يؤذيني من أين؟ في أحد من الخارج هكذا؟ لا، هذا هو يدخل إلى الداخل. يجد، يبقى "مس" هنا خاصته الشيطان هذه هي متعلقة بالداخل.
دلالة المس في القرآن على العلاقة الداخلية بين الإنسان والمعاني
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]
أكيد، إذن المس هو اتصال الرجل بالمرأة وهذا فيه دخول؛ ولذلك العلاقة بين الرجل والمرأة يسمونها الدخول، يقول لك: أنت كتبت الكتاب أم دخلت؟ الدخول مس:
﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: 3]
أي يتصلا هما الاثنان. فيكون إذن المس هذا ونحن نستعمله في علاقة الشيطان بالإنسان، أو في علاقة الإنسان بالإنسان، أو هنا في علاقة المعاني بالإنسان؛ يتعلقون بالداخل.
دلالة القرح على الألم النفسي الداخلي في آية سورة آل عمران
انظر كيف يصبح عندما يأتي ويقول:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140]
يصبح من الداخل، قرح فقد مس يصبح من الداخل، القوم قرح يصبح هنا جاءت الآية المقابلة.
وتأتي النقطة الثانية وهي المثلية، هذه "مثله"، قرح مثله. انتهى، تأكدنا الآن من دلالة قرح ومن دلالة واضحة على أن المسألة نفسية داخلية، وأنها هدأت النفس من الداخل هكذا.
معنى المثلية في آية القرح بين السنة الكونية والتنزل على الطائفتين
ولذلك في الآية التي قبلها قال [الله تعالى]:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 139-140]
إذن مثله في ماذا؟ هل مثله في كونه قرحًا وفي كونه مسًّا؟ أي في كونه من الداء الذي يتعلق بالداخل، أم في كونه مساويًا في الكمية؟
قال له: لا، تأتِ بهذا مساوٍ فقط في المشابهة، ولكن قد يعاقب الله الكافرين بأعظم مما يوقعه على المؤمنين. فـالمثلية هنا مثلية المقارنة التي تفيد السنة الكونية، لا مثلية النزول والتنزل بالمس على كل من الطائفتين؛ فإنه يشكل صعوبة على كثير من الناس.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
