سورة آل عمران | حـ 488 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 488 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يقول الله تعالى في سورة آل عمران: "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، وهذه سنة إلهية وحقيقة كونية في رفع أقوام وخفض آخرين.
  • التمكين في الأرض يكون تكليفاً وتشريفاً، ويتطلب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • عدم أداء واجبات التمكين يؤدي إلى زواله، فيأتي الله بقوم آخرين يحبهم ويحبونه.
  • لكل مرحلة واجباتها؛ فواجبات الذروة تتمثل في الرحمة والعطاء وعمارة الأرض، وواجبات الحضيض تتمثل في الصبر ومواصلة العمل وعدم اليأس.
  • تميز المسلمون في عصور التمكين ببناء حضارة عظيمة قدمت الإنسان على البنيان وأبدعت علوماً جديدة كعلم الحديث وأصول الفقه.
  • هضم المسلمون الحضارات السابقة وأضافوا إليها دون وضع عوائق للمعرفة.
  • بدأ الانحدار الحضاري عندما انشغل الحكام بالترف والبذخ، كالحاكم الذي أهدر ثروات الأمة ليجعل يوماً بأكمله أصفر اللون.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

سنة مداولة الأيام بين الناس في القرآن الكريم

مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

يعني أن الله سبحانه وتعالى يرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويعطي الملك سبحانه وتعالى ويهبه لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء؛ فبيده سبحانه وتعالى له ملكوت وملك السماوات والأرض.

مداولة الأيام حقيقة كونية وسنة إلهية يجب أن يؤمن بها المسلم

إذن هذه حقيقة كونية، وهذه سنة إلهية، وهذا مبدأ يجب أن يكون مكونًا من مكونات النفسية المؤمنة:

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

وهذا [المبدأ] يقتضي منا عندما يمكننا الله سبحانه وتعالى في الأرض أن نقوم بواجب التمكين تكليفًا وتشريفًا:

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

عاقبة التفريط في واجب التمكين واستبدال الله للأقوام

حسنًا، إذا مكنني الله في الأرض فلم أُقِم الصلاة، ولم أُخرج الزكاة، ولم آمر بالمعروف، ولم أنهَ عن المنكر؛ فلله عاقبة الأمور:

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، سيحملكم هكذا ويأتي بناس آخرين.

إذن فعلينا أن نعرف واجب التمكين؛ لأننا نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى جعل من سنته في كونه:

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

مرحلة الذروة ومرحلة الحضيض وواجبات كل منهما

فإذا طال بنا الأمد وقست قلوبنا ونسينا كما نسيت الأمم [السابقة]، جئنا في مرحلة الحضيض. هكذا يسمونها، ماذا إذن؟ مرحلة الذروة فوق — يعني القمة — ومرحلة الحضيض نزلنا.

ومرحلة الحضيض لها واجبات: قال لا تيأس؛ لأنك تعلم أنك سوف تعلو مرة أخرى إن أطعت واتبعت، وتركت الوهن وتركت الحزن، وشعرت بالعلو واستحضرت الإيمان مرة أخرى تعلو، واتخذت من هذا هداية لك.

ما هو [الأصل في ذلك]؟

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

واجبات الذروة وواجبات الحضيض في ضوء سنة المداولة

فهناك واجبات للذروة نقوم بها، وهناك واجبات للحضيض نقوم بها.

واجبات الذروة: الرحمة، العطاء، عمارة الأرض.

وواجبات الحضيض: وإذا حدث وكُتب علينا هذا [الابتلاء]، فإنه يكون الصبر والاستمرار في العمل، والاستمرار في عدم الإحباط، وعدم اليأس، وعدم الحزن، وعدم الوهن. وهكذا.

إذن فعلينا أن نفهم هذه الحقيقة؛ لأنها حقيقة مهمة للغاية:

﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

اقتبسها كثير من الناس، كثير من الخلق، من الأدباء والشعراء والمفكرين والحكماء؛ لبيان هذه السنة الإلهية البسيطة في مبناها، العميقة في معناها.

إنجازات الحضارة الإسلامية في مرحلة التمكين من الأندلس إلى الصين

ورأينا ونحن نقرأ التاريخ، رأينا كيف منَّ الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية بالتمكين في الأرض من الأندلس إلى مشارف الصين، وكيف فعل المسلمون في تلك البلاد من بناء الحضارة، ومن تقديم الإنسان على البنيان، ومن استيعاب الخلق، ومن هضم الحضارات السابقة، ومن إبداع العلوم المتعددة التي لم تكن من قبل.

أبدع المسلمون علم الحديث لنقل مصدر من مصادر التشريع، من أجل العقلية العلمية التي تميزوا بها. أبدعوا أصول الفقه أداةً للفهم السليم بصورة علمية رصينة. أبدعوا علومًا كثيرة وهضموا الحضارات السابقة وأضافوا إليها، ولم يقفوا عقبة للمعرفة ولا للإنسان.

تقديم الإنسان على البنيان والساجد على المساجد في الحضارة الإسلامية

وقدموه [الإنسان] دائمًا على البنيان، وفي داخلهم قدموا الساجد على المساجد. يعني مع غيرهم قدموا الإنسان على البنيان، وفي داخلهم قدموا الساجد على المساجد.

ثم رأينا بعد ذلك أحوالًا لا ترضي الله ولا رسوله.

قصة اليوم الأصفر وبداية انهيار الحضارة بسبب عبث الحكام

فرأينا أحد الحكام قال: أريد يومًا أصفر — موجود في التاريخ — يوم أصفر. كيف؟ قال: يريد كل شيء أن يصبح أصفر حوله. فجاءوا عند دجلة وجعلوا الرمل الأصفر، وجعلوا الخيام صفراء، وألبسوا الجواري والعبيد أصفر؛ فأصفر كله أصفر؛ لأن الرجل يريد يومًا أصفر.

وبعد ذلك لما جعله أصفر في أصفر، قالوا له: حسنًا، والمياه؟ المياه ليست صفراء، مولانا سيغضب هكذا! فذهبوا يلقون أطنانًا من الزعفران العبداني غالي الثمن جدًا — هذا الزعفران الذي تضع منه قليلًا على الطعام — أطنانًا لكي يُصفِّروا المياه، فصفَّروها.

فكان يومًا أسود؛ لأنه أفسد الميزانية من أجل أن يصبح اليوم أصفر. هذه العقلية عندما حكمت بدأ الانهيار.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.