سورة آل عمران | حـ 489 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 489 | 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الآية "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله" تواسي المؤمنين وتبين حكمة الابتلاء.
  • يخاطبنا الله من داخلنا مراعياً عقولنا رغم علمه المطلق بكل شيء.
  • قوله "ليعلم الله الذين آمنوا" ليس وصفاً لذاته العلية بل خطاب للمقهور المشوش الفكر.
  • اتخاذ الشهداء تكليف وتشريف للمؤمنين، فالشهيد شاهد ومشهود في آن واحد.
  • جعل الله المؤمنين شهداء على الخلق كما جعلهم أمة وسطاً ليشهدوا ويُشهد عليهم.
  • محبة الله تمثل الدافع للطاعة، وعدم محبته للشيء تمثل المانع من فعله.
  • الظلم مشتق من الظلام وهو مذموم لأنه يُفقد الهداية ويؤدي للوقوع في المهالك.
  • الظالم يكون في ظلمات يوم القيامة بينما المؤمن "نورهم يسعى بين أيديهم".
  • ضرب الله هذه الأمثال حتى نفهم حقائق الإيمان والظلم والنور.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية المداولة بين الناس من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: 140]

حكمة مخاطبة القرآن للعقول واحترامه لمداخل الفهم البشري

هو [الله] يخاطبنا سبحانه وتعالى من داخلنا؛ ليبين لنا حكمة تصل إلى عقولنا وإلى قلوبنا. وهذه عادة القرآن وهو يخاطب العقول ويحترم مداخلها.

وإلا فإن الله سبحانه وتعالى من غير هذا وذاك يعلمه [أي يعلم كل شيء]، وليس في حاجة لأن يرانا حتى يعلم، وهو يخلق ويفعل ما يشاء، وهو قادر على كل شيء، وهو حكيم بالإضافة إلى علمه وقدرته، وهو مريد له إرادة لا يتألى عليه أحد.

رحمة الله في مراعاة ضعف الإنسان وبيان حكمة الابتلاء

وبالرغم من ذلك [أنه سبحانه غني عن البيان] يطمئن قلوبنا نحن، وكأنه يراعي طفولة عقلنا وبدايات تفكيرنا، ويقول لنا: حسنًا، أعرف هذه الحكاية.

لماذا [يبتلينا الله]؟ لكي يعلم الله الطيب من الخبيث فيكم. هذا يخاطبنا نحن.

إذن هذا ليس وصفًا لنفسه العلية في ذاته، هو وصفه [سبحانه لنفسه] وقال:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]

﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 75]

وصفٌ وفهمنا من ناحية الحقائق الإلهية فهمها لنا تمامًا.

مخاطبة الله للمقهور المشوش الفكر وتطمينه برحمته سبحانه

ولكن عندما يأتي هنا [في هذه الآية] ويقول لي، فيبقى يقول لمن؟ يقول للمقهور [المصاب بالقرح والألم].

والمقهور هذا يكون حاله كيف؟ ما هو:

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140]

الفكر، طيب هو مشوش الفكر، فارغ، يفكر بطريقة منطقية هكذا وتفكير مستقيم؟ أبدًا! الإنسان عندما يكون مشوش الفكر لا يفكر باستقامة، يحزن هكذا وتجده حزينًا في حزن عنه، وارتباك يحدث ارتباك له؛ لأنه مشوش الفكر.

الله هذا [المقهور] يرعانا نحن، إذن آه رحيم بنا.

معنى اتخاذ الشهداء وتكريم الله للمؤمنين بالابتلاء

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: 140]

وليعلم الله الذين آمنوا، يخاطبنا جيدًا. ويتخذ منكم شهداء، يبتلينا الله جيدًا.

ونحن يعني ماذا نساوي حتى يبتلينا؟ ما هو يكرمنا إذن! ما هو يقول لنا أشياء تجعلنا نحبه أكثر. ما هو الإنسان غافل، ما هو لو اتضحت له الحقائق ما كان للوحي حاجة، ما كان للوحي حاجة، إذن كان الإنسان يفهم وحده هكذا.

لكن سبحان الله، نريد أن نقول:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

نظل نذكر ونقول ونعيد، لكن لو كان كل إنسان فهمها وحده لما أخذنا شيئًا أبدًا.

عناد بعض الناس في رفض الحق رغم وضوح الأدلة على وجود الله

تظل تأتي له بألف دليل على وجود الله وهو مصمم على أن ربنا غير موجود، أو موجود وليس له [شأن بنا]، أم لماذا دعوة بيننا؟ ولكن على مزاجي أنا وليس كما يريد هو سبحانه وتعالى! ولكن سبحانه، عقول عجيبة الشك!

طيب وهذه ماذا نفعل فيها؟ ما نحن نقعد نقول لها هكذا:

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [آل عمران: 140]

فيبقى عمل ماذا؟ فهمه [أي فهم المؤمن لحكمة الابتلاء].

معنى اتخاذ الشهداء تكليف وتشريف من الله لعباده المؤمنين

﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: 140]

فيبقى سيقول لهم: سنتخذ منك شهيدًا؛ لأنك ستكون شاهدًا حول هذه الحكاية.

والله سبحانه وتعالى في ذاته ليس في حاجة إلى شهداء، وإنما هو تكليف وتشريف لنا؛ تكليف بالصبر على القرح التي أصابتنا، وتشريف بأنه يعتمد علينا ويعتمد شهادتنا ويجعلنا شهداء على الخلق، شاهدين لهم وشهود عليهم.

تحليل لغوي لكلمة شهداء ومعنى الشاهد والمشهود في القرآن

لأن شهداء جمع شهيد، مثل علماء جمع عليم، مثل فقهاء جمع فقيه.

إذن ما هي هذه [الصيغة]؟ جمعها ليس عالِم وشاهد، بل وشهيد على وزن فعيل يصلح للفاعل والمفعول، أي شاهد ومشهود.

فأنت شاهد ترى، وأنت مشهود يراك الخلق. وكذلك [قال تعالى]:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ﴾ [البقرة: 143]

شاهد ومشهود.

الله لا يحب الظالمين وأثر حب الله وكرهه في دفع المؤمن ومنعه

والله لا يحب الظالمين، هذا تكليف إذن، أي احذر أن تكون ظالمًا؛ لأن الذي يحبه الله والذي يكرهه الله، هذا هو الدافع والمانع.

ما يحبه الله يدفعك إليه دفعًا، وما يكرهه الله ولا يحبه الله يمنعك منه منعًا.

فإذا كان الله يحبه، إذا كان الله يحبه فهذا دافع لك لأن تفعله، وما لا يحبه الله، نعم هذا مانع لك من أن تفعله.

فالله سبحانه وتعالى:

«حرَّم [الله] على نفسه الظلمَ وجعله بينكم محرَّمًا» [رواه مسلم]

ولذلك هذا الظلم عندما نقف عنده نجده ماذا؟

اشتقاق الظلم من الظلام وبيان خطورة السير بلا هدى

أي مادة [لغوية]؟ ظلام! الظلم من أي شيء؟ من الظلام.

والظلام كيف شكله؟ هل الظلام محمود أم مذموم؟ قال: لا، الظلام مذموم.

لماذا؟ قال: لأنك إذا سرت فيه سرت على غير هدى؛ يمكن أن تقع في حفرة، يمكن أن تقتل صديقًا وأنت في الظلام، يمكن أن تهلك نفسك، يمكن أن تصطدم بعمود هكذا فتسقط، يمكن أن تؤذي نفسك.

إذا كان هذا الظلام شيئًا سيئًا، فما هو الجميل إذن؟ النور!

لماذا؟ لأنه سيكون فيه هداية، سيكون فيه معرفة، ترى رأسك من قدميك، تعرف أين تمشي.

الظلم ظلمات يوم القيامة والفرق بين المنورين ومن انطفأ نورهم

فيكون الظلم ظلمات يوم القيامة. تخيل وأنت محتاج إلى أحد ينقذك يوم القيامة ولا أحد يعني يقف معك، وبعدين تظلم عليك، ما أنت لست ترى شيئًا وأنت لا تعرف أنت ذاهب إلى أين! الله، هي ناقصة؟ هي نعم!

لما أنا أريد أحدًا يأخذ بيدي ويدخلني الجنة، الآن كله أصبح مظلمًا حوله. ما هو الظلم ظلمات يوم القيامة؛ من ظلم في الدنيا يكون في ظلمة يوم القيامة. هي ناقصة؟ هذا وقته، آه انطفأ نوره.

أما الآخرون فيقولون ماذا؟ نورهم يسعى بين أيديهم. إذن هناك أناس منورون وهناك أناس انطفأ نورهم.

خاتمة الدرس وأهمية الأمثلة القرآنية في تقريب الفهم للناس

هذه الأمثلة التي ضربها لنا ربنا حتى نفهمها.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم.