سورة آل عمران | حـ 492 | 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين النص أن دخول الجنة يتطلب اختباراً وابتلاءً كما في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾.
- •ينبغي على المسلم النظر إلى نعم الله التي لا تحصى، ومقارنتها بتقصيره في أوامر الله ونواهيه.
- •المصائب كفقدان الولد هي ابتلاء، ويجب الصبر عليها، وقد نهى النبي عن سؤال البلاء.
- •الجهاد له معانٍ متعددة: القتال في سبيل الله (الجهاد الأصغر)، وجهاد النفس (الجهاد الأكبر)، وكلمة حق عند سلطان جائر، والحج للنساء والصغار والشيوخ.
- •الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والأمة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •يسر الله ثلاثة أمور في آخر الزمان: العلم والحج والوصول إلى درجة الولاية، لكن المشكلة في استفادة الناس من هذا التيسير.
- •المعنى العام للآية أن الله يريد أن يعلم المجاهدين ويعلم الصابرين.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الابتلاء من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]
أتظنون أنكم ستدخلون الجنة دون اختبار؟ فاتقوا الله.
التأمل في نعم الله الكثيرة والتقصير في أداء أوامره ونواهيه
فانظر إذن إلى النعم التي أنعم الله بها عليك:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18]
وانظر أيضًا إلى تقصيرك في حق الله من أوامره ونواهيه، وهي قليلة. فانظر أنك قد غلبت شهوتك عليها، وبالرغم من ذلك إلا أن الله سبحانه وتعالى يسترها علينا وعليكم.
حسنًا، وبعد ذلك تدخل الجنة، بماذا؟ يجب أن تقدم شيئًا كهذا [كالصبر على البلاء والجهاد].
فضل الصبر على فقدان الولد وأجره يوم القيامة
فإذن الإنسان عندما يُصاب بمصيبة كفقدان الولد وهو شاب، أمرٌ عزيز على أمه وعزيز على أبيه، ولكن الصبر جميل.
وسبقك هذا الولد إلى الجنة، يتهيأ لك يوم القيامة فيأخذ بيديك إلى الله. هذا الإنسان لو عرف حقائق المحن لكان يدعو على نفسه يقول: يا رب امتحني! لكن لا؛ من رحمة ربنا قال:
«لا تسألوا الله البلاء، فإذا نزل بكم فاسألوه الصبر»
يعني لا تسألوا ربكم أن يبتليكم بالبلاء، فإذا نزل بكم فاصبروا، انتهى.
النهي عن طلب البلاء وسؤال الله العافية والتيسير
ولكن لا تقولوا: يا رب امتحني! لا، ولكن تقولوا: يا رب أنا لست قادرًا على الامتحان، أرجو أن تنجحني من غير امتحان. هكذا [فالله] واسع، نعم هو واسع، نعم جميل.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا﴾ [آل عمران: 142]
معاني الجهاد في الإسلام بين جهاد النفس وجهاد القتال
والجهاد يُطلق ويُراد منه القتال في سبيل الله، ويُطلق ويُراد منه جهاد النفس. والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة عاد فقال:
«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» -ألا وهو جهاد النفس- أخرجه البيهقي في الزهد
وظن بعضهم أنه ليس بحديث مرفوع فأنكره كشيخ الإسلام ابن تيمية، إلا أننا وجدناه في البيهقي في كتابه [الزهد].
الجهاد بكلمة الحق عند السلطان الجائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
حسنًا، والجهاد يُطلق ويُراد منه أيضًا كلمة حق عند سلطان جائر؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو ميزة هذه الأمة. يُطلق ويُراد به الجهاد:
«خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»
فتبقى الأمة تراقب على حكامها وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. ولا خير في الأمة إذا لم تفعل، ولا خير في الحكام إذا لم يستمعوا إلى نصيحة الأمة فيهم.
فالأمة لا تتدخل في سلطانهم ولا تريد نزعه منهم، وهم ينبغي أن يحملوا الجميل للأمة في ذلك وأن يسمعوا النصيحة؛ فالدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
الحج جهاد المرأة والصغير والشيخ الكبير وأحكامه
والجهاد يُطلق أيضًا ويُراد منه الحج الأكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الحج جهاد المرأة والصغير والشيخ»
يبقى إذن هو جهاد أولئك الذين لم يستطيعوا أن يجاهدوا في سبيل الله بالسنان، فإنهم يجاهدون في صورة الحج.
والحج ميسَّر على من يسَّره الله، ولكن أحكامه صعبة، وأنت تدخل مع الله بشرط هذه الأحكام الصعبة، ولكن الله ييسر لنا الحج كل عام.
تيسير العلم والحج والولاية عند تقارب الزمان وحال الناس معها
حتى قال أهل الله: إذا تقارب الزمان يسَّر الله على الناس ثلاثة: يسَّر الله عليهم العلم، ويسَّر الله عليهم الحج، ويسَّر الله عليهم الوصول إلى درجة الولاية.
ولكن هل نحن نتعلم؟ أي مع وجود الكهرباء والقلم والورقة والمطبعة يسَّرت العلم، وكذلك الدوائر التلفزيونية وغيرها، وأصبح الآن التعلم عن طريق الإنترنت، العلم هكذا [ميسَّر]. فهل من تيسَّر له العلم [استفاد منه]؟ تجد يا أخي أن العالِم في الزمن الماضي أرسخ من العالِم في الوقت الحاضر.
والحج تيسَّر، ولكن هل الناس يستجيب الله دعاءهم كما كان يستجيب في الحج الأول الذي كان على جمل هذا؟
تيسر الولاية في زماننا والعيب فينا لا في الزمان
والولاية تيسَّرت، طيب، هل وصل أحد إلى الولاية؟ ها هي الولاية أصبحت مفتوحة! ها عبد القادر الجيلاني لكي يصبح وليًّا يجلس يا عيني ثلاثين سنة يذكر ويمارس الرياضة الروحية ويتأمل ويتدبر ويعتكف.
طيب، الآن فقط اجعل قلبك صافيًا، هل يرضى أحد أن يجعل قلبه صافيًا؟ حسنًا، هذه هي الحكاية.
فما هي المشكلة إذن؟ نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيب سوانا. فتيسَّر العلم وتيسَّر الحج وتيسَّرت الولاية، فهل من مُدَّكِر؟ ما هو ربنا يقول هكذا:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
الجهاد يشمل معاني كثيرة والقتال أحد أنواعه وهو الجهاد الأصغر
إذن الجهاد يُطلق على معانٍ كثيرة ولا يختص بمعنى القتال في سبيل الله، بل إن القتال في سبيل الله أحد أنواع الجهاد، بل سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد الأصغر.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلم الله الذين آمنوا منكم، وكذلك يريد الله سبحانه وتعالى أن يعلم الصابرين، يريد أن يعلم الذين جاهدوا ويريد أن يعلم الصابرين.
إعراب كلمة يعلم الصابرين والعطف على المحل دون اللفظ
وراح نصب هنا [في كلمة «يعلمَ»]، يعلمَ لأنها معطوفة، يقولون هكذا: معطوفة على المحل وليس على اللفظ. ما هو ساكن هناك عندما:
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 142]
حسنًا، انتهى، هذه مجزومة، والثانية بقيت على المحل. هذا [المحل] كان منصوبًا: يريد الله أن يعلمَ، يريد الله أن يعلمَ، يريد الله أن يعلمَ المجاهدين، ويريد الله أن يعلمَ الصابرين.
و«يعلمَ» يقولون عليها ماذا؟ معطوفة على المحل.
ختام الدرس والتوديع بالسلام والدعاء
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
