سورة آل عمران | حـ 493 | 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 493 | 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • من صفات القرآن الكريم أنه يكشف الإنسان أمام نفسه، فيظهر له حقيقة تصرفاته وما يخفيه.
  • يستشهد النص بقوله تعالى: "ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".
  • الإنسان في وقت الراحة يتمنى الشهادة، لكن عند مواجهة الخطر الحقيقي تظهر حقيقة ضعفه البشري.
  • كشف الله للإنسان عيوبه رحمة به ليعالجها، وليس كما يكشفه البشر بغرض الإساءة.
  • لا ينبغي للمؤمن أن يُكلف نفسه ما لا يطيق، كما قال النبي ﷺ.
  • الحرب مكروهة للإنسان بطبعه، ولا يُلجأ إليها إلا للضرورة كالعملية الجراحية.
  • التكليف الإلهي يأتي على قدر الطاقة "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".
  • على المؤمن أن يعبد الله على قدر طاقته بالتدرج والثبات.
  • الابتلاءات تكشف معادن النفوس وحقيقتها، ويجب الصبر عليها وفق قواعد الشرع.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية تمني الموت من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]

القرآن يكشف الإنسان أمام نفسه ويبين حقيقته في الشدة والرخاء

يكشف [القرآن] الإنسان أمام نفسه؛ فالإنسان الذي يده في الماء ليس مثل الذي يده في النار، والفسحة ليست كالضيق. وفي الفسحة الواحد يتكلم كما يشاء ويقول لك إن الكلام مجاني.

وبعد ذلك عندما يأتي الأمر إلى محك العمل تجده ينسحب ويريد أن يغير الكلام. إذن من صفات القرآن أنه يكشف الإنسان أمام نفسه.

الفرق بين كشف البشر وكشف الله للإنسان عن عيوبه

وهذا الكشف إذا أتى مني إليك قد تغضب وتعتبر أنني كشفتك فتنكر وتهرب، ولكن عندما يأتي من ربك فأنا مطمئن؛ أنك أصلًا — أنا كبشر مثلك — يمكن أن أقصد شيئًا، يمكن أن أتكبر عليك، يمكن أنني أقول هذا للمصلحة، فلا يخلو البشر من العوارض.

ولكن عندما يأتي [الكشف] من الله ويكشف لك فيهديك عيوب نفسك وينبهك على خلق الله الذي هو أعلم بنفسك منك وأعلم بك منك؛ لأنه الذي خلق ولأنه هو حكيم عليم قدير، فلما كان الأمر كذلك وكشف لك حقيقة نفسك فتقبلها بقبول حسن.

النفوس المنحرفة تفر من كشف القرآن بدلاً من الفرار إلى الله

فمن صفات القرآن أنه يكشف الإنسان أمام نفسه. هناك بعض النفوس المنحرفة تتعامل مع الله سبحانه وتعالى كما تتعامل مع البشر؛ قرأ [القرآن] فانكشف [أمام نفسه] فكره القرآن، [يقول:] الله هذا يكشفني!

لا تخف، هو هذا متعلق بربنا، هذا كلام ربنا وهذا كلامنا نحن. أنت خائف من ماذا؟ خائف أن يكون البشر قد اكتشفوك؟ لا تخف، هذا الذي اكتشفك هو الذي خلق، وهو ما هو كاشفك من البداية، ليس محتاجًا إلى اكتشاف جديد — يعني لا يحتاج [إلى ذلك].

فتجدهم يفرون من الله وليس يفرون إلى الله، في حين أن الله سبحانه وتعالى إنما أنزل هذا [القرآن] من أجل أن تطلب منه الهداية، من أجل أن تشعر برحمة الله لك وبأنه يهديك إلى عيوبك حتى تعدلها بالخفاء من غير أن تُفضح. يقول: يا رب استر، لا تفضحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة.

تمني الموت في السلم وضعف الإنسان عند مواجهة الحقيقة

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ﴾ [آل عمران: 143]

والإنسان في السلم هكذا يقول: يا سبحان الله، أنا أريد أن أموت في سبيل الله! هو صادق، هو ليس كاذبًا، هو لا يخدع نفسه هو، ولكن هذا حاصل في نفسه هكذا: نفسي أموت في سبيل الله.

لو مشى ووقعت رجله في شوكة فقد عقله! شوكة اختل كيانه! الإنسان ضعيف:

﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

امضِ إذن واكمل في الجهاد في سبيل الله، تعال اكمل. ما هذا؟ الشوكة في الرجل ستقتلني! يا الله، ألم تكن تقول تريد أن تموت؟

مواجهة الإنسان لحقيقة ضعفه عند رؤية الموت في المعركة

أنت لم تقل [أمام أحد]، أنت بينك وبين نفسك لا يوجد أحد، نحن لا نتكلم عما في الظاهر. ألست أنت من قلت هكذا؟

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: 143]

فلما ذهب [المؤمن] إلى المعركة ورأى القتل أمامه ينزل، هذا فعلًا! الله، هذا الكلام جدٌّ أم ماذا؟ سبحان الله!

يقول لك: الإنسان هو في هذه الحالة في إفرازات لغدد تفرز، فعندما يجري أسرع من الخيل — لماذا؟ ما هو أصله خائف أن يموت! الله، ألم تركز معي؟ أنت لست أنت الذي قال: أنا أريد أن أرى [الموت]، أنا أريد أن أموت! لست أريد أن أرى الموت هذا، أنا أريد أن أموت!

مخادعة النفس والتراجع عن العهد مع الله عند الشدائد

فلما وجدته [الموت] تريد أن تهرب، تخادع نفسك، ضعيف إلى هذه الدرجة! أين العهد الذي عاهدته مع ربنا؟

﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]

إذن لا تتكلم أكثر من طاقتك.

نهي النبي ﷺ عن إذلال النفس وتكليفها ما لا تطيق

وهذا ما يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام:

قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لأحدكم أن يُذِلَّ نفسه»، قالوا: كيف يُذِلُّ أحدنا نفسه يا رسول الله؟ قال: «يكلفها من البلاء ما لا تطيق»

وقال [النبي ﷺ]: اعبدوا الله، فليعبد أحدكم ربه على طاقته — يعني على قدر طاقته — يعني قدر طاقته:

قال رسول الله ﷺ: «فإن الله لا يملُّ حتى تملوا» أبدًا

فإذا [كان الأمر كذلك] اعبدوا ربنا بقدر ما نستطيع بالتأني هكذا، وعلى قدر طاقتكم ولا تكلفوا أنفسكم ما لا تطيقون:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

النهي عن تمني لقاء العدو والأمر بالثبات عند الملاقاة

حسنًا، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاثبتوا»

فيبقى الإنسان أيضًا لا يتمنى الحرب. الناس يقولون لك: هيا لنحارب! الله، ونحن سنظل هكذا جالسين أم ساكتين هكذا؟ هل أنت تعرف الحرب هذه؟ بل والحرب هذه، هذا شيء يكرهه الإنسان، لا نذهب إليها إلا مثل العملية الجراحية.

هل الواحد هكذا يذهب يعمل عملية جراحية من غير أن تكون لها ضرورة فيه؟ العملية الجراحية إذا [كانت] آخر العلاج الكي، ولكن أيضًا نقوم بأشياء قبلها حتى لا ندع الطبيب يتلاعب في جسم الإنسان ويخطئ ويفعل [ما لا ينبغي]، سبحان الله!

الجهاد ضرر مكروه لكنه يُؤتى بقواعده وشروطه مع الصبر لله

وكذلك الحرب ضرر في ضرر، ولكن هذا الضرر إذا كان بقواعده فهو جهاد في سبيله، أي:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

في كراهية هنا، يبقى لا بد لنا أن نفهم هذا الحال. نعم هناك بلاء ونعم هناك كراهية، إلا أننا نأتيه بقواعده وشروطه ونصبر لله رب العالمين. وفي ذلك يبتلينا ربنا ويكشف حال أنفسنا.

﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.