سورة آل عمران | حـ 494 | 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 494 | 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الواسطة بين الله والخلق هي الرسل، فالله لا يكلم البشر مباشرة بل يرسل الرسل وينزل الكتب.
  • اختار الله رسله من ذوي الذكاء والفطنة والمكانة الاجتماعية والصدق والأمانة، وأجرى على أيديهم الآيات والمعجزات.
  • لم يجعل الله واسطة بين الخلق وربه، فكلف الجميع بالصلاة والدعاء والذكر والإخلاص في العبادة والجهاد.
  • العلاقة بين الشيخ والمريد أو الأستاذ والتلميذ هي علاقة علم وإرشاد وتوجيه، وليست وساطة.
  • قال تعالى: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، وهذا يقرر حقيقة بشرية الرسول.
  • الرسل يتفاضلون كما قال تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض"، ومحمد ﷺ سيد ولد آدم.
  • بشرية النبي ﷺ هي التي جعلته أسوة حسنة يمكن الاقتداء به، فلو كان ملكًا ما استطعنا اتباعه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

الواسطة بين الحق والخلق هي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر لنا أن الواسطة بين الحق والخلق هي النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، وأنه لا واسطة بين الخلق والحق؛ فالله سبحانه وتعالى لا يكلم البشر، وإنما يرسل الرسل وينزل الكتب ويكلفنا بما يصل إلينا من المرسلين الذين رضي الله عنهم، فأنزل على أيديهم الآيات والمعجزات.

صفات الأنبياء والرسل من الذكاء والصدق والأمانة والوجاهة الاجتماعية

وأقامهم [الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل] وهم يتمتعون بالذكاء والفطنة والكياسة، ويتمتعون بالوجاهة الاجتماعية وبالصدق والأمانة ضد أضدادها؛ فلم يكونوا أبدًا كاذبين، ولم يكونوا أبدًا خائنين، ولم يكونوا أبدًا مفسدين، ولم يكونوا أبدًا من سفلة القوم، بل كانوا على عكس ذلك تمامًا.

ثم أجرى الله على أيديهم الخير، وأجرى الله عليهم القبول من عموم الناس، وإن كان قد جعل لكل نبي عدوًا من الجن والإنس ومن الشياطين.

الله جعل وساطة الرسل في التبليغ لا في العبادة وكلف الجميع بالعبادة مباشرة

وبالرغم من ذلك وأن الله قد جعل وساطة بينه وبين خلقه عن طريق رسله ووحيه، إلا أنه لم يجعل هناك وساطة بين الخلق وربهم [في العبادة]؛ فكلّف الجميع بالصلاة، وأمر الجميع بالدعاء، وأمرهم بالذكر والإخلاص في العبادة، وأمرهم بالجهاد في سبيله سبحانه وتعالى على أنواع الجهاد المختلفة.

وأمرهم سبحانه وتعالى أن يعتصموا جميعًا بحبل الله وأن يلجأوا إلى الله، وألغى هذه الوساطة التي يظنها الإنسان بين الخلق وبين الحق.

الواسطة المشروعة هي واسطة التعليم والإرشاد لا واسطة العبادة

ولم يجعل [الله سبحانه وتعالى] هذه الواسطة إلا في صورة التأديب والتعليم:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

إلا في صورة الإرشاد:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

ليس من الصادقين، معهم؛ يعني هكذا هو ترشدونهم، هكذا هو وتسترشدون بهم.

فهذه هي العلاقة بين الشيخ والطالب، أو بين الأستاذ والتلميذ، أو بين الشيخ والمريد: هي علاقة علم، علاقة إرشاد، علاقة توجيه، علاقة أن أبين له طريق الله، ولكن ليس على سبيل الوساطة [بين العبد وربه في العبادة].

تقرير حقيقة بشرية النبي لبناء عقل علمي بعيد عن الخرافة والشرك

يقرر [القرآن الكريم] هذه الحقيقة فينشئ للمسلم عقلًا علميًا حقيقيًا، يبتعد به عن عقل الخرافة والأوهام، ويبتعد به عن عقل الشرك والأوثان.

فيقول رب العالمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم: وإذا كان الأمر في حقه [صلى الله عليه وسلم] هكذا، فهو في حق من هو أدنى منه أولى:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]

والله، محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لا يستطيع أن يقول هذا عن نفسه، هذا كلام رب العالمين.

الآية دليل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو كلام رب العالمين

يعني محمد [صلى الله عليه وسلم] إذا أحب أن يؤلف القرآن لا يقول عن نفسه:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]

إنما يقول عن نفسه يعني هكذا تعظيم أو تفخيم أو شيء يعني هكذا، إنما هكذا هو [الله سبحانه وتعالى] يقول له هكذا:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]

فوالله ما هذا كلام بشر، ما هذا بكلام بشر، هذا كلام رب العالمين من فوق سبع سماوات.

انتهاء فكرة الوساطة بموت النبي وبكاؤه شوقًا لإخوانه الذين لم يروه

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]

فكرة الوساطة انتهت.

ولذلك رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وهو يبكي، فقالوا:

يا رسول الله، ما الذي يبكيك؟ تبكي لماذا؟ نبكي معك.

فقال صلى الله عليه وسلم:

«تذكرت إخواني»

قالوا له: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال:

«أنتم أصحابي، إخواني أقوام يأتون من بعدنا يصدقون بي لا يجدون إلا صحفًا يقرؤونها»

افهمتم؟ أنتم أصحابي، إخواني أقوام يأتون من بعدنا.

فضل من آمن بالنبي ولم يره وتسلسل الرسالات وعدم التفريق بين الرسل

يعني نحن إخوانه صلى الله عليه وآله وسلم، إذا يأتون من بعدي لا يجدون إلا صحفًا يقرؤونها فيؤمنون به؛ لأنه كان يقول لهم [لأصحابه]: كيف تكفرون وأنا فيكم؟ أتظنون يعني ماذا؟ أنتم ترون المعجزات ليلًا ونهارًا.

هذا سيدنا رسول الله فيهم، فماذا عن الذين آمنوا به ولم يروه؟ هي درجة أيضًا، فربنا يجعلنا منهم.

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]

خلت من قبله الرسل، يبقى إذن هذا تسلسل مستمر [للرسالات].

وما مزية محمد صلى الله عليه وسلم على من قبله من الرسل؟

قال صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى»

﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]

صفة المؤمنين اتباعه هكذا: لا نفرق بين أحد من رسله.

تفاضل الرسل وتواضع النبي محمد سيد الخلق في تعليم أمته

ولكن على فكرة، هؤلاء الرسل يتفاضلون تفاضل الأشخاص:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

فهم يتفاضلون. وعلى فكرة، سيدنا محمد هذا سيد الخلق، ولكن هذا من مزيد خبوته [تواضعه] لربه؛ يعلّم أمته ألا يتطرقوا إلى هذه النقطة.

وهو يقول صلى الله عليه وسلم:

«أنا سيد ولد آدم ولا فخر»

هذا يأتي في الحقائق؛ يعني هو سيد ولد آدم، هو المصطفى، هو الماسية [المختار]، هو صلى عليه وسلم من اكتملت فيه الصفات.

معنى لقب البشير للنبي وإثبات بشريته صلى الله عليه وسلم

صفات المبشِّر والمبشَّر؛ فكان مبشِّرًا وكان مبشَّرًا، فسُمّي بشيرًا.

البشير ما هو؟ اسم فاعل واسم مفعول: مبشِّر ومبشَّر. يقول لك: لماذا تسمونه بشيرًا؟ نعم، لأنه مبشِّر ولأنه مبشَّر صلى الله عليه وسلم.

﴿أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: 144]

وهذا معناه ما هو؟ هو لا يدري ما يُفعل به صلى الله عليه وسلم، وذلك لإثبات البشرية:

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]

وهذه البشرية هي التي بموجبها جاءت الأسوة الحسنة؛ لأنه لو كان ملكًا أو كان شيئًا فريدًا غريبًا عجيبًا ما كنا نستطيع أن نتبعه، ولكننا نستطيع أن نتمثل به تمامًا.

النبي صلى الله عليه وسلم أسوتنا وباب الوصول إلى الله

ولذلك فهو أسوتنا صلى الله عليه وسلم، سُدّت الأبواب إلى الله إلا باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.