سورة آل عمران | حـ 501 | 151 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 501 | 151 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يفسر النص قوله تعالى: "سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا"، موضحًا أن الإشراك بالله يكون فيما لم ينزل به سلطاناً.
  • الله أمر بالشهادتين معاً للدخول في الإسلام، فلا يصح الإسلام بالشهادة الأولى فقط دون الشهادة بأن محمداً رسول الله.
  • لا يعد شركاً ما أمر الله به من تعظيم للكعبة والطواف حولها والسجود تجاهها، فالمسلمون يسجدون لله تجاه الكعبة وليس للكعبة ذاتها.
  • تعظيم المصحف واحترامه وتقبيله ليس شركاً، بل هو احترام لكلام الله تعالى المقدس.
  • الشرك الحقيقي هو ما أقره الله ورسوله أنه شرك، وليس ما يدعيه البعض من عند أنفسهم.
  • المؤمن يعلم مصيره بعد الموت، بينما المشرك لا يعرف، وقد توعد الله الظالمين بالنار.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية إلقاء الرعب في قلوب الكافرين من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يطمئن المؤمنين بالتثبيت والمعونة والمدد:

﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 151]

أي بسبب إشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانًا.

معنى ما لم ينزل به سلطانًا والرد على من يدّعي الشرك فيما أمر الله به

فكلمة "ما لم ينزل بها سلطانًا" ترد على أولئك الذين يتمادون من عند أنفسهم في تخيّل توحيد للرب سبحانه وتعالى لا يريده ربنا، فيقولون إن في ذلك شركًا، بالرغم من أن الله قد أمر به.

ولا يصح أن ربنا لا يأمر بالشر، وإنما الله ينزل سلطانًا لنا أن نفعل سبحانه وتعالى. مثل أن يقترن اسمه جل جلاله باسم سيدنا محمد وهو من البشر:

قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ» [الكهف: 110]

ولكن لا يدخل الإنسان الإسلام إلا بالشهادتين معًا، والشهادة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الشهادتين، لا يصح بأحدهما.

لا يصح الإسلام بشهادة واحدة دون الشهادة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

فلو شهد إنسان أنه أشهد أن لا إله إلا الله لم يصبح مسلمًا حتى يقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله. فلنفترض أنه قال أشهد أن لا إله إلا الله وسكت، فإنه لا يزال لا يدخل الإسلام؛ لا بد أن يقول وأشهد أن محمدًا رسول الله.

فيأتي أحدهم قائلًا: ألا تشركون بالله أم ماذا؟ لا، نحن لا [نضع] اسم النبي مع اسم ربنا [شركًا]، لماذا؟ هذا اسم ربنا وحده فقط! نقول له: لا، هذا ليس شركًا، هذا شرك في عقلك أنت، عقلك بُني على هذا.

الله هو الذي أمر بالشهادتين عنوانًا على الإسلام وليس ذلك من عند البشر

ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمر بالإيمان بالنبي، وهو الذي أمر بأن تُجعل الشهادتان عنوانًا على الإسلام:

قال رسول الله ﷺ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله...»

هكذا هو، ليس من عندي ولا من عند النبي ولا من عندك. فيبقى إذن هناك سلطان ينزل به الله سبحانه وتعالى ما يشاء من تكاليف، فلا يستغلها بعضهم عند تجريدها بدعوى أن ذلك من الشرك.

الرد على المستشرقين في شبهة السجود تجاه الكعبة والطواف حولها

حاول كثير من المستشرقين والمستغربين أن يعترضوا على المسلمين أنهم يتوجهون إلى بيت الله الحرام فيسجدون في اتجاهه. قالوا: ما هذا؟ أنتم تسجدون للكعبة! لا، نحن نسجد لله تجاه الكعبة، نحن نسجد لله تجاه الكعبة، فالسجود تجاه الكعبة لا علاقة له بالشرك.

قال [المعترض]: هذا! أنتم حتى تطوفون حولها! أجل، نحن نطوف حولها ونحبها ونقدسها ونعظمها ونعدّها [بيت الله المعظّم]، ونقول: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، وزد من شرفه وعظمه تشريفًا وتعظيمًا.

النظر إلى الكعبة عبادة واحترام المقدسات ليس شركًا بالله تعالى

وكل واحد له مع ربه كذلك سرّ، وعندما يرى الكعبة ويدعو قوم يُستجاب له، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«النظر إلى الكعبة عبادة»

من أنت؟ ما لك أنت؟ ما الشرك الذي فيه؟ احترام الأشياء [المقدسة] في رأيك [شرك]؟ نحن نحترم المصحف كثيرًا ونجعله كذلك أعلى الكتب، وعندما نعطيه هدية لشخص يقوم بتقبيله ووضعه على رأسه هكذا.

فما شأنك أنت؟ أنحن نعبد المصحف؟ نحن نعبد الورق يعني؟ هذا لا، وإنما هذا كلام الله، وكلام الله هو في المكان الأجلّ عندنا في قلوبنا وفي أذهاننا وأرواحنا.

تعظيم المصحف الشريف متأصل في تربية المسلمين منذ الصغر وليس شركًا

وهو [المصحف] الذي يُحفظ، والله ما أحد لديه القدرة النفسية على أن يُهين المصحف، أو أن يقول له أحد: أعطني المصحف فيرميه له هكذا. فلا يتصور المسلم أنه يفعل ذلك.

لماذا؟ الولد منذ أن كان صغيرًا عمره سنة وسنتان، ولو سقط منه المصحف تصرخ أمه كما لو أن هناك مصيبة. فاستقر في ذهن المسلمين من تربيتهم في بيوتهم من أمهاتهم أن هذا الكتاب كتاب مقدس معظّم مكرّم فوق الرؤوس وفوق كل كتاب.

فهل هذا شرك؟ لا، ليس شركًا.

تعريف الشرك الحقيقي وأنه ما لم ينزل الله به سلطانًا من دليل أو أمر

فما هو الشرك إذن؟ دعنا من هذه الحكاية، حكاية أنه ما دام يوجد دليل، ما دام يوجد أمر، ما دام توجد نتيجة، فإننا لا نستطيع [أن نقول] هذا شرك بالله.

والشرك هو ما أقره الله وعلّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أنه شرك. فهذه النقطة مهمة جدًا؛ لأن بعض الناس يجهلونها من غير المسلمين ومن بعض المسلمين.

"ما لم ينزل به سلطانًا": فإذا نزل به سلطان فقد أصبح تكليفًا أفعله عبادة لله وحده.

قصة إبليس مع أمر السجود لآدم وعاقبة رفضه لما أنزل الله به سلطانًا

وهذا الذي غاب عن إبليس لما أمره [الله] بالسجود [لآدم] فأبى. فلماذا تجلب لنفسك المشاكل يا إبليس؟ اسجد لآدم!

﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

الله يريد أن يسجد [إبليس] لله وحده ولا يسجد لآدم؟ قال له: لا، فأنت بعصيانك لي تكون محكومًا عليك بالرجم:

﴿فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: 34]

وباللعنة:

﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الحجر: 35]

الفرق بين الشرك الحقيقي وما أنزل الله به سلطانًا من التكاليف الشرعية

﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰنًا﴾ [آل عمران: 151]

هذا هو الفرق: أن بعض الناس يقولون: فما بالكم أنتم مشركون أنتم أيضًا! لا، نحن لسنا مشركين، هذا نحن غاية التوحيد:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

نعم، لا يوجد توحيد أكثر من المسلمين. قال [المعترض]: لا، ما أنتم عندكم بعض الأشياء! قال [المسلم]: لا، هذا أنزل الله به السلطان، هذا الشرك أن لا تفعلها ولا تخاف النار.

الرعب في قلوب المشركين ومصيرهم في الدنيا والآخرة مقارنة بالمؤمنين

فيبقى إذن الرعب الخاص بالمشركين هؤلاء في الدنيا والآخرة. عندما تأتي لتكلم واحدًا [منهم] تقول: فلنفترض أنك مت، فأين ستذهب؟ يقول لك: والله لا أعلم.

المؤمن يعرف، يقول له: سأرجع إلى ربي وأرجو في وجهه الكريم أن يدخلني الجنة. فأين سيذهب هذا [المشرك]؟ قال [الله تعالى]:

﴿وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 151]

السبب الثالث لعذاب المشركين أنهم ظالمون والفرق بين قتال المؤمن والكافر

فما السبب الثالث [لعذابهم]؟ أنهم ظالمون؛ لأنك تأتي فتقول له: أنت تقاتل في سبيل أي شيء؟ قال: ولا شيء، لآخذ أرضك وأعتدي على عرضك وآخذ شيئًا منك.

ولكن عندما تسأل المؤمن يقول لك: لا، أنا مقاتل في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى بإذن الله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.