سورة آل عمران | حـ 503 | 152-153 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح الله تعالى في سورة آل عمران حكمة الابتلاء في غزوة أحد بقوله: "ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم".
- •ابتلى الله المسلمين في أحد ليتعلموا كيفية التصرف عند الهزيمة، فصبر النبي صلى الله عليه وسلم وصمد في المعركة.
- •اجتمع الصحابة حول النبي للدفاع عنه، فكان أبو طلحة وأم سليم وأبو بكر وعمر وعلي وغيرهم يدافعون عنه بشجاعة.
- •رغم الجراح والتعب، لم يستسلم المسلمون للإحباط، بل طاردوا المشركين حتى حمراء الأسد مما أرعب الأعداء.
- •العبرة من المعركة أن الصبر وعدم الإحباط والمتابعة أدت إلى انتصار معنوي للمسلمين رغم ظاهر الهزيمة.
- •الأخطاء الثلاثة التي وقع فيها المسلمون: الفشل والتنازع والمعصية، لكن الله عفا عنهم وأظهر فضله عليهم.
- •تحققت أهداف المسلمين برد المشركين وحماية المدينة والنبي، فكان نصراً حقيقياً رغم الخسائر.
آية سورة آل عمران في وعد الله بالنصر ثم الابتلاء بعد المعصية
مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152]
أي لم يُسلِّطكم عليهم [على المشركين] بالنصر، من أجل أن تتعلموا درسًا، وأن يكون ذلك اختبارًا لكم ولإيمانكم ولتصرفاتكم فيما بعد عند الهزيمة والانتكاس. ليبتليكم.
التساؤل عن سبب عدم تسليط المؤمنين على الكافرين ببركة النبي ﷺ
لماذا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسلِّط الله المؤمنين على الكافرين فيهزمهم هزيمة منكرة، خاصة وأنهم هم المظلومون؟
أين وقعت بدر؟ في المدينة. وأُحُد أين؟ في المدينة. والخندق أين؟ في المدينة. والله، هذه المدينة أهي للمشركين أم كانت للمسلمين؟ يعني هم [المشركون] الذين يأتون مرة واثنتين وثلاثًا، وإلا يكون [المسلمون] ليسوا هم الذين بدؤوا؛ هؤلاء [المسلمون] قاعدون يُضرَبون، نعم.
وبالرغم من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى صرفهم عن المشركين في هذه الموقعة [غزوة أُحُد]. لماذا؟ لكي نحن إذن نتعلم إلى يوم الدين ماذا نعمل عندما تحدث الهزيمة والانتكاس، ماذا نعمل. ليبتليكم، يعني ليختبركم ويمتحنكم.
صبر النبي ﷺ وصموده في أُحُد واحتماء الصحابة به عند اشتداد القتال
والذي حصل، ماذا الذي حصل؟ أن سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قاتل وصمد. أول شيء أنه صبر، هذا أول درس.
وفي هذا الصبر كان الصحابة يقولون:
«كنا إذا اشتدَّ الوَطيسُ احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم»
سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان كالأسد الهَصور. فلما كان يشتد القتال ويضعف الناس، وكل واحد السيف يرتعش في يديه من الإعياء، قاموا يذهبون خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فداء الصحابة والصحابيات في الدفاع عن رسول الله ﷺ يوم أُحُد
حسنًا، وبعد ذلك وجدنا الفداء في صحابته الكرام. وجدنا أبا طلحة وهو ينزل يدافع عن رسول الله في كل اتجاه، حتى أم سُليم بنت مِلحان أم أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت وشمَّرت وجاهدت من حوله.
عمر بن الخطاب، أبو بكر الصديق، سيدنا علي بن أبي طالب، تكتَّلوا ووقفوا؛ لأن كان الغرض والهدف الكبير [للمشركين] أن يقتلوا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلم ينجحوا. لم يقتلوه، ولم يعرفوا كيف يأخذون المدينة، ولم يعرفوا إلا أنهم كسروا نفوس المسلمين قليلًا. وهذا ناتج عن الفشل والتنازع والمعصية.
دروس الصبر وعدم الإحباط والمقاومة بعد الهزيمة في غزوة أُحُد
ولكن مع الصبر، عدم المقاومة [أي عدم الاستسلام]، ومع المقاومة عدم الإحباط، دروس هي إذن.
وبعد ذلك رجعوا [الصحابة من المعركة]. كيف شكلهم؟ يعني لا تأخذني [بالوصف]، مضروبين ضربًا شديدًا. جميل، الذي جُرح في وجهه، في يديه، والجرح هذا جرح السيف الخاص بك، تذهب في المتاحف تشاهدونها، هكذا شيء مدهش، وجرح جرح كبير.
وعندما يتجرَّح الإنسان ترتفع حرارته، وعندما ترتفع حرارته تصبح نفسيته هكذا غير مسرورة.
حال الصحابة بعد المعركة وأمر النبي ﷺ بملاحقة المشركين رغم الجراح
طيب، وبعد ذلك راجعون مضروبين، واحد وهو متعب جدًا هكذا ومضروب، ماذا يفعل؟ يريد أن يبكي، يريد أن يخلع [ثيابه] قليلًا، ينام نومًا عميقًا هكذا قرابة اثنتي عشرة ساعة.
فالذي منكم ذهب إلى الجهاد والحرب والجيش يصبح يريد أن يأكل طعامًا ساخنًا هكذا فيه لحم هكذا، يعني شيئًا هكذا يعطي طاقة.
في هذه الحالة هكذا، فيخلعون ثيابه ويأتون بقليل من الماء ليمسحوا الدم. قال [النبي ﷺ] لهم: ماذا تفعلون؟ قالوا: ما رأيك؟ قال: لا، خلفهم! ما هذا؟ فعلًا امتحان! خلفهم، سوف تتركوهم أم ماذا؟
ملاحقة المسلمين للمشركين حتى حمراء الأسد ودخولهم مكة في ذعر
فساروا خلفهم حتى أدركوهم في حمراء الأسد، موضع يُسمى حمراء الأسد قريب من مكة قليلًا. ركضوا خلفهم، كل هذا أجل، ركضوا خلفهم.
تخيَّل: المهزوم المضروب يجري وراء الغالب المنتصر! ركضوا خلفهم.
لما ركضوا خلفهم ماذا فعلوا [المشركون]؟ دخلوا مكة وهم في حالة ذعر. لماذا هؤلاء خلفنا؟ هؤلاء سيدركوننا! ولحقوا [المسلمون] بفلول منهم في حمراء الأسد فضربوهم.
ماذا تفعل هذه [الملاحقة]؟ تصنع معنويات عالية جدًا.
نتيجة غزوة أُحُد انتصار المسلمين بالصبر وعدم الإحباط والمتابعة
لما رجعوا إلى المدينة رجعوا وهم منتصرون. إن نتيجة أُحُد أن المسلمين لهم الانتصار، انتبه!
نحن نميل إلى القول إننا انهزمنا وما إلى ذلك، والدروس أبدًا! هذا أُحُد انتصرنا فيه، ولكن انتصرنا بماذا؟ بالصبر، بعدم الإحباط، بالمتابعة.
فتركهم [النبي ﷺ] وهم راجعون، الواحد أصبح عندما يكون منتصرًا وفي جرح يقول لك: لا تذكر هذا الأمر، نحن فعلنا بهم كذا، وينسى الجرح الذي في جسمه. هذا هو [أثر النصر المعنوي].
عفو الله عن المؤمنين بعد الفشل والتنازع والمعصية في أُحُد
فيقول [الله تعالى]:
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152]
حسنًا، نحن الآن في خطأ وخطيئة، ثلاثة أشياء فشلتم فيها: التنازع والمعصية.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ [آل عمران: 152]
فعفا عن ماذا؟ عن كل شيء.
﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]
إنه يمتحنهم، إنه يعلِّمهم، إنه يوفِّقهم. ولكن عندما أجيء وأُهزَم في الحرب وأُرسِّخ الهزيمة في نفسي وأقول: يا الله لقد هُزمت! قال تعالى: كيف هُزمت؟
حقيقة النصر في أُحُد وفضل الله على المؤمنين والختام
إن الحرب [كانت] لتحقيق إما أن تموت يا محمد أو تأخذ [قريش] المدينة، ولم تُتَّخَذ [المدينة]. الحرب في ظاهرها بعدد القتلى وما إلى ذلك من الأمور، فإذا كنتم قد جريتم وراءهم وضربتموهم كما ضربوكم ورجعتم منتصرين:
﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]
أم لا؟ إنه ذو فضل على المؤمنين.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ﴾ [آل عمران: 153]
وهذه نبدأ بها لقاءنا في المرة القادمة إن شاء الله. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
