سورة آل عمران | حـ 504 | 152-153| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 504 | 152-153| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشير قوله تعالى "والله ذو فضل على المؤمنين" إلى سعة فضل الله غير المحدودة، حيث جاءت كلمة "فضل" نكرة للدلالة على شموله وكثرته.
  • مظاهر هذا الفضل متعددة، منها قوله "إذ تصعدون ولا تلوون على أحد"، وهو تعبير يصف تقدم المؤمنين بثبات دون تردد أو توقف.
  • من فضل الله على المؤمنين إرسال النبي محمد ﷺ ودعوته لهم.
  • قوله "والرسول يدعوكم في أخراكم" يحمل دلالة عميقة، فالرسول يدعوهم وكأنهم يعيشون في الآخرة رغم وجودهم في الدنيا.
  • أهمية حرف "في" بدل "إلى" تظهر أن الرسول كان يخاطب ما في قلوبهم، وهذا دليل على أن القرآن كلام الله لا كلام البشر.
  • قوله "فأثابكم غما بغم" يشير إلى الحزن الذي أصابهم، وليس الهزيمة العسكرية.
  • ينبغي استخلاص الدروس والبدء بصفحة جديدة دون أن يتغلب الفشل علينا.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس والتأمل في قوله تعالى والله ذو فضل على المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يمتنّ على المؤمنين:

﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]

ويقول: ذو فضلٍ، وكلمة «فضل» جاءت نكرة، والنكرة فردٌ شائعٌ في جنسه، فلا تعرف كيف تحصر هذا الفرد أم كيف تتحدث عنه؛ لأنه ليس فردًا محددًا معينًا، بل هو فردٌ شائعٌ في جنسه.

سر التنكير في كلمة فضل ودلالته على شمول نعم الله

فهو فضلٌ شائع، كلما تأملت جنس الفضل كلما وجدت لله فضلًا عليك فيه. ولذلك كان الأنسب التنكير:

﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾ [آل عمران: 152]

لم يقل «ذو الفضل»، لا، هنا «ذو فضلٍ» نكرة منوّنة، هكذا هو على المؤمنين، بحيث إنك عندما تذهب إلى جنس الفضل وتبحث في أفراده، كلما بحثت فردًا وجدته صالحًا لأن يكون من عند الله.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

كل فضلٍ تجده من عند الله، مردّه إلى الله.

﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152]

أول ما كانوا يسمعون هكذا، يعني هذا [الفضل الإلهي] أحاط بنا من كل مكان، فنحن نتقلب في نعمته سبحانه وتعالى.

بيان فضل الله في موقف أُحد حين كان المؤمنون يصعدون لا يلوون على أحد

هذا أمر، ماذا يعني؟ أين هذا الفضل؟ هذا واحد [من الأسئلة]، كذلك يسأل [سائل] قد يكون لم ينتبه، قال [الله تعالى]:

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: 153]

ها! والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون، يبقى هذا ماذا؟ يمتنّ علينا بهذا [الموقف]، أيضًا فرضٌ من الفروض، صورةٌ من الصور.

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ﴾ [آل عمران: 153]

ما هذا الكلام؟ هذا تركيبٌ كذلك، تعبيرٌ عربيٌّ كذلك. انظر كيف أن الله واقفٌ معك حتى جعلك لا تتردد ولا تتوقف ولا تسأل أحدًا، لا تتردد ولا تتوقف ولا تعتمد على غيرك ولا تسأل أحدًا.

تشبيه حال المؤمنين بالقطار في المضي دون توقف أو التفات

هكذا هو مثل القطار:

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ﴾ [آل عمران: 153]

إذا أردت أن تقولها باللغة العامية فتقول: إن كنت تمشي مثل القطار. انتبه، ماذا يعني تمشي مثل القطار؟ يعني أن القطار يمشي ولا يريد أن يقف، يمشي.

«إذ تصعدون» يعني صاعدون، صعد يعني طلع، تصعدون ولا تلوون على أحد، لا تذهب إلى هنا أو إلى هناك، أنت تسير هكذا [في اتجاه واحد دون التفات]. هل أنت منتبه؟

فضل وجود رسول الله بين المؤمنين ودعوته لهم إلى الآخرة

وماذا أيضًا من فضل [الله]؟ أن فينا رسول الله عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا فضلٌ وحده، هذا وأن رسول الله يدعونا إلى الخير وإلى آخرتنا وإلى الصالح من الأمور.

هذه جانبٌ آخر أيضًا؛ إن رسول الله وحده هكذا بركة، يدعونا ورسول الله هو وقف هنا [معنا]، فيبقى أيضًا فضل. والرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول يدعوكم أيضًا فضل؛ أنه لا يتركنا، لا، بل هو معنا هكذا هو: «أنا منكم مثل الوالد للولد»، قلبه علينا.

دلالة حرف في الظرفية في قوله يدعوكم في أخراكم على معايشة الآخرة

يدعوكم في أُخراكم، في هذه [الكلمة] يسمونها حرف ماذا؟ ظرف، حرف ظرف، يعني «في» ظرفية، يعني في، أي أنه يدعوكم إلى آخرتكم، فيكون «في» بمعنى أي إلى آخرتكم.

يدعوكم: تعالوا إلى الآخرة، ولكن «يدعوكم في أُخراكم» يعني عيشوا في الآخرة. أنتم في الدنيا، ما رأيكم أن نُريكم الآخرة؟ والرسول يدعوكم في أُخراكم، يعني ماذا؟ في آخرتكم، يعني هؤلاء القوم رأوا الجنة.

معنى معايشة الصحابة للآخرة من يقين ورؤية الجنة ورؤية الله

نعم، عاشوا في الآخرة. وفي هذه [الآية] سيكون فيها ماذا؟ لا، هذه فيها أشياء كثيرة: فيها يقين، هم رأوا اليقين. فيها جنة، هم رأوا الجنة، هكذا عاشوا فيها. [وفيها] نظرٌ إلى الله، هم رأوا ربنا.

والرسول يدعوكم في أُخراكم، عيشُهم فيها. انتبه! الحرف له أهمية. كيف؟ والرسول يدعوكم لأُخراكم [بحرف اللام] يعني يقول لهم ماذا؟ في آخرة يا جماعة، ويجب أن تراعوا الآخرة، وستُثابون في الآخرة، وسيكون لكم جنة في الآخرة. هكذا يتحدثون عن شيء لم يروه.

الدليل على أن القرآن ليس من تأليف بشر من خلال حرف في الظرفية

ولكن «يدعوكم في أُخراكم» إنه [الله] يتحدث عما بالداخل [في قلوبهم]. يعني إن كان القرآن هذا من تأليف محمد ﷺ لما كان أبدًا وهو عربيٌّ يستطيع أن يقول هذه الكلمة. انتبه!

لأنه لو قال لهم: «والرسول يدعوكم في أُخراكم»، قومٌ يقوم واحدٌ يقول له: ما أُخرانا؟ كيف في أُخرانا؟ كيف يا محمد؟ أنا سمعت [عن الآخرة] ولكن أنا لم أعش فيها بداخلها.

هل محمد ﷺ قادرٌ على أن يعرف نفس كل واحد من أتباعه؟ لا! إذن فمن الذي يعرف؟ العليم بذات الصدور [سبحانه وتعالى].

تأكيد أن هذا الكلام لا يقوله إلا الله وأهمية فهم حروف المعاني في اللغة العربية

فأخبرهم هكذا، قال لهم: «والرسول يدعوكم في أُخراكم»، تنكرون؟ كل واحد نظر لنفسه هكذا، نعم أجل صحيح. هذه [الكلمة] لا يستطيع أحدٌ أن يقولها إلا ربنا [سبحانه وتعالى].

انظر أهمية اللغة التي انفصل الناس عنها وتركوها. ماذا يعني «في»؟ إلى أي شيء يعني؟ لا! حروف المعاني هذه حروفٌ مهمة جدًا؛ لأنها تُبيّن [معاني] ليست بيد البشر أن يعرفوها. والرسول يدعوكم في أُخراكم.

معنى فأثابكم غمًا بغم والدروس المستفادة من غزوة أحد

﴿فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: 153]

أنتم عصيتم فهُزمتم. طيب، لماذا لم يقل «هزمهم»؟ لأنهم لم يُهزموا. أنت منتبه؟ إنما غُمّوا، نعم هم غُمّوا، نعم غُمّوا. طيب، هم ألم يَغُمّوا الناس الآخرين [أي الكفار]؟ غَمّوهم!

﴿فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: 153]

يجب إذن أن نتعلم من هذا الدرس ونبدأ صفحة جديدة على الفور، ولا ندع الفشل يتغلب علينا فلا نعرف كيف نسير، ولا ما أصابكم، ولا ندع ما أصابنا يُخيفنا، بل يزيدنا إيمانًا.

﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153]

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.