سورة آل عمران | حـ 510 | 157 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح معنى الآية الكريمة "ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون" أن حياة الإنسان ستنتهي في كلتا الحالتين.
- •المؤمن لا يتحسر على طريقة وفاته، سواء قُتل في سبيل الله أم مات على فراشه، فالأمر عند الله يتعلق بالإيمان لا بكيفية الموت.
- •الآية موجهة لصنفين من الناس: من يخاف الموت في المعركة ويفضل الموت على فراشه، ومن يحزن لأنه مات على فراشه بعد جهاد طويل.
- •سيدنا علي بن أبي طالب كان شجاعاً، يلقب بالفتى الغالب، وكان يصبر في المعارك حتى يستسلم خصمه.
- •سيدنا خالد بن الوليد تحسر على موته في فراشه رغم كثرة جراحاته في المعارك.
- •الآية تسلي قلوب المؤمنين وترفع همتهم، وتخاطب غير المؤمنين الذين يشمتون في الموت.
- •القتل المحمود هو ما كان في سبيل الله، أما غيره فجزاؤه جهنم.
- •الإنسان مجبول على التقصير ودائماً بحاجة إلى مغفرة الله.
التسوية بين القتل في سبيل الله والموت الطبيعي في القرآن الكريم
مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]
فسوّى [الله سبحانه وتعالى] بين الموت وبين القتل في سبيل الله؛ لأن حياة الإنسان ستنتهي في كلا الأمرين، ولكن تعلّق القلب بالله يجعل هذا [الموت] مثل ذاك [القتل] عند المؤمن.
ولذلك لا يتحسّر المؤمن الذي يجاهد في سبيل الله أن يموت على فراشه، ولا يتحسّر أهل من قُتل في سبيل الله أنهم لم يُقتلوا أو لم يموتوا على فراشه؛ فإن الأمر عند الله سبحانه وتعالى يتعلق بالإيمان لا بطريقة الوفاة. تتعدد الأسباب والموت واحد.
صنفان من الناس في مواجهة الموت والقتل في سبيل الله
فالله سبحانه وتعالى يبيّن هذه الحقائق لصنفين من الناس:
الصنف الأول: يرى أنه يريد أن يموت في فراشه. ولقد رأينا هذا الصنف يقول: أنا أريد أن أموت في فراشي حتى لا يشمت الناس بك.
ناس مَن؟ هذا الشهيد يُزغردون له! ناس مَن الذين يشمتون بك؟ قال: والله يعني أن جسمي سيتقطّع. ما يتقطّع! إذا الروح ذهبت إلى بارئها فخرجت إلى الخارج وخرجت في سبيل الله.
فأنت خائف أم ماذا أم لا تريد؟ قال: لا أريد. ماذا نقول له؟
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]
نقول له هذه الآية.
الصنف الثاني من حزن لأنه مات على فراشه بعد جهاد طويل
والثاني يا عزيزي حزين؛ لأنه مات في الفراش بعد أن جاهد في سبيل الله ثلاثين أو أربعين سنة، وخاض المعارك والقنابل، وظلّت القنابل تُرمى عن يمينه وعن شماله، وفي اليوم مات على سريره فحزن.
يقول: يا رب، يعني أنا كنت أريد أيضًا أن أموت في المعركة! فنقول له:
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]
فنُسلّي قلبه، فيكون الأول [الآية] يُشجّعه، والثاني يُهدّئ باله.
وجود الشجاعة والخوف في الصحابة وتفاوت طبائع البشر
الاثنان موجودان، الصنفان: الشجاع والجبان، وموجودان في الحياة، بل وموجودون في الصحابة [رضي الله عنهم]. من الصحابة من كان في غاية الشجاعة ولا يهمّه الأمر، ومن الصحابة من كان رقيق الحال منطويًا يخاف. هذا موجود، فالبشر هكذا، البشر هكذا.
سيدنا علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] كان صنديدًا، كانوا يسمّونه الفتى الغالب، الفتى الغالب! ما من أحد بارزه إلا وغلبه.
ويقولون له: أنت لماذا تغلب على الدوام هكذا مستمر بالضرب، اضرب اضرب اضرب؟ فقال: آه، وأنا أجاهد في سبيل الله أفكّر أنني أستسلم، تعبت. قم! أقول: لا، خمس دقائق أخرى وماذا وأستسلم. إذن قم! ينتظر خمس دقائق، قم! العدو يستسلم.
صبر علي بن أبي طالب في الجهاد وحديثه مع نفسه حتى يستسلم العدو
فصبرٌ جميل والله المستعان. يحدّث [سيدنا علي رضي الله عنه] نفسه هكذا: أنا انتهيت، تعبت، أنستسلم الآن أم ماذا؟ لا، انتظر قليلًا. هؤلاء القليل سيجد العدو يستسلم.
كان العدو قد واجهها ثلاث أو أربع مرات، قال: استسلم، فلا فائدة من ذلك، وجاء مستسلمًا.
تحسر خالد بن الوليد على موته في فراشه بعد حياة حافلة بالجهاد
سيدنا خالد بن الوليد [رضي الله عنه] مات في فراشه، وظلّ يتحسّر: يا رب، أنا سيف الله المسلول، وفي النهاية لم يكن هناك موضع في جسده إلا وفيه طعنة برمح أو سيف.
فقال بعد كل هذا: أأموت في الفراش كما تموت العجائز؟ لا نامت أعين الجبناء! أي أنه وهو في مرض الموت فاهمٌ أنه لم يكن جبانًا رضي الله تعالى عنه، بل كان شجاعًا.
هذا هو نُسلّيه ونقول له ماذا لكي نُهدّئ باله؟ هكذا نُسلّيه ونقول له:
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]
الآية موجهة للمؤمنين بصنفيهم الشجاع ومن فيه ضعف
فهذه [الآية] موجّهة للمؤمنين بصنفيهم، سواء كان المؤمن شجاعًا أو كان فيه تقصير — لا نريد أن نقول جبان — فالمؤمن ليس جبانًا أبدًا، ولكن يبقى فيه أيضًا ضعف هكذا.
إذن طيب، وموجّهة لمن أيضًا؟ موجّهة لأولئك الذين هم خارج الإيمان ممن يشمت في الموت، سواء في الحرب أو في السلم. فنقول له: أنت تشمت في ماذا؟
فتبقى موجّهة للمؤمنين تسليةً للقلوب وإبرازًا للهمّة، وموجّهة لغير المؤمنين نعيًا عليهم: يا رجل، عيب! لماذا تشمت؟ إن قُتل فسيدخل الجنة، وإن مات فسيدخل الجنة. دوّر على نفسك أنت!
حلاوة الخطاب القرآني في مخاطبة المؤمنين وغيرهم بعبارة واحدة
فانظر إلى الخطاب القرآني: يخاطب المؤمنين وله معنى، ويخاطب غير المؤمنين وله معنى، والعبارة واحدة. هذه حلاوة القرآن.
وأنت تفهم جوهر الكلام، قلّب: قل هذا الكلام موجّه لمن؟ تأمّل هكذا. السؤال الأساسي: الكلام الذي أمامي الآن موجّه لمن؟ للمؤمنين، إذن فما معناه كذا وكذا. للذين لا يؤمنون، فما معنى ذلك إذن؟ وهكذا.
القتل في سبيل الله مشروط بالنية وما سواه قتل مذموم جزاؤه جهنم
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 157]
فالقتل عندنا مرتبط بسبيل الله؛ فإذا كان هناك قتل في غير سبيل الله فهو قتل مذموم، جزاؤه جهنم. لماذا جهنم؟
ثم يقول:
﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 157]
وكان الإنسان مجبولًا على التقصير في كل شيء.
قال رسول الله ﷺ: «كلُّ بني آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوّابون»
وحينئذٍ فنحن دائمًا في حاجة إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى.
قال رسول الله ﷺ: «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»
يُعلّمنا [رسول الله ﷺ ذلك]. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
