سورة آل عمران | حـ 514 | 160 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين قول الله تعالى "إن ينصركم الله فلا غالب لكم" حقيقة واقعية وإيمانية تغير حياة المؤمن إذا آمن بها وعمل بمقتضاها.
- •هذه الآية تمنح المؤمن قوة معنوية عظيمة تجعله لا ينكسر أبداً، فسواء انتصر أو انهزم يظل صابراً لأمر الله، حامداً له على كل حال.
- •المؤمن الحقيقي لا يصيبه إحباط أو ضياع عند مواجهة الشدائد، لأن كل تصرفاته تنصب لتحقيق مراد الله.
- •الإيمان بأن النصر من عند الله أساسه التوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه.
- •حقيقة التوكل ليست ترك الأسباب، بل الإتيان بالأسباب على الوجه الذي يرضي الله.
- •يجب أن يكون السلاح متوائماً مع العصر، من صناعة المسلمين، كافياً لأداء الواجب، مع التدرب عليه.
- •على المؤمن أن يتوكل على الله حق توكله بالأخذ بالأسباب والدعاء بالنصر من الله تعالى.
مقدمة تدبر آية النصر من سورة آل عمران وحقيقتها الإيمانية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُعلِّم المؤمنين ويُذكِّر لهم حقيقة واقعية ولكنها إيمانية في نفس الوقت، يقول سبحانه وتعالى يخاطبنا إلى يوم الدين:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]
هذه حقيقة تُغيِّر حياة الإنسان إذا آمن بها وصدَّقها وفهمها وعمل بمقتضاها وعاش فيها. أن ينصركم الله فلا غالب لكم، ما هذا؟ إنها قوة عظيمة جدًّا.
الإيمان بصفات الله وأثره في تقبل النصر والهزيمة بالرضا
لأنك أولًا يجب عليك أن تؤمن بالله، ثانيًا أن تعلم صفات هذا الإله من أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد.
إذن لو انتصرت في المعركة فذلك من عند الله، ولو لم تنتصر فذلك من عند الله. ما الفرق؟ والله! إنك لن تتأثر بشيء بعد ذلك؛ وأنت منتصر تقول الحمد لله، وأنت منهزم تقول الحمد لله على كل حال.
وأنت منتصر صابر لأمر الله، وأنت منهزم صابر لأمر الله. هذا [يعني] أنت لا تُهزم إذن.
الروح المعنوية الحقيقية مصدرها الإيمان بنصر الله لا الأموال
وهذه [الحالة] التي يسمونها الآن الروح المعنوية، ويبذلون فيها ملايين الجنيهات والدولارات والإسترليني وكل ذلك من أجل الروح المعنوية.
وهذه [الروح المعنوية] تأتيك بكلمة واحدة:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]
إذا آمنت بذلك فقد وصلت إلى المرحلة التي لا يمكن أن تنكسر فيها. نعم تحدث هزيمة، نعم يحدث انتصار، ولكن لا يحدث أبدًا انكسار.
تحول الحقيقة الواقعية إلى حقيقة إيمانية تمنع الانكسار والإحباط
﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]
تحوَّلت من حقيقة واقعية إلى حقيقة إيمانية، وهذه الحقيقة الإيمانية ستؤثر في سلوكك لا محالة، وتمنعك من الانكسار والإحباط والضياع عندما تواجه الشدائد.
وتجعل كل تصرفاتك وسلوكك ينصبُّ لتحقيق مراد الله سبحانه وتعالى.
معنى الخذلان الإلهي وحقيقة لا حول ولا قوة إلا بالله
﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: 160]
في الحقيقة يعني عندما الله سبحانه وتعالى يسحب منه [من العبد] المعونة والمدد، لا يستطيع أن يعمل شيئًا. أمَّال [إذن] لا حول ولا قوة إلا بالله، ما معناها؟
أيضًا: وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟ لا أحد.
حقيقة التوكل على الله وأنه الأخذ بالأسباب لا تركها
حقيقة الإيمان بأن النصر من عند الله وأن النصر من عند الله أساسه التوكل على الله.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُٓ﴾ [الطلاق: 3]
أي كفايته، أي لو توكلت على الله لا تريد سواه. وحقيقة التوكل على الله هي الإتيان والتلبُّس بالأسباب على الوجه الذي يرضى عنه الله سبحانه وتعالى.
هذه حقيقة التوكل هكذا: أن تكون الأسباب في يدك، لا تترك الأسباب. ترك الأسباب ليس توكلًا، ترك الأسباب تواكل. لكن حقيقة التوكل أن يكون السبب بيدك.
الإعداد للمعركة بالسلاح والتدريب من مقتضيات التوكل الحقيقي
المعركة تحتاج إلى ماذا؟ سلاح. إذن يجب أن يكون السلاح معك. وهذا السلاح شكله ماذا؟
- •لا بد أن يكون متوائمًا مع العصر.
- •لا بد أن يكون من صناعتك وتحت يدك.
- •لا بد أن يكون بعدد كافٍ لأداء فرض الكفاية عليك.
- •لا بد أن تكون متدربًا عليه.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]
لا بد أن تكون قد بذلت فيه كل وُسعك من مال ومن ذكاء ومن وقت ونحو ذلك.
التوكل الحقيقي بالأخذ بالأسباب والعصيان بتركها وعاقبة ذلك
فإذا كان السبب بيدك على ما يُرضي الله، ثم دخلت في المعركة، كنت متوكلًا والله. وإذا لم يكن السبب بيدك إذن فأنت عاصٍ.
ما هو [السبب]؟ ربنا قال لك أعِدُّوا فلم تُعِدَّ، ولا اتخذت الخطوات الخاصة بالإعداد، ولا أتقنت العمل. والعامل جلس ثمانية وعشرين دقيقة وهو مطالب أن يجلس ثماني ساعات في العمل.
فيكون كل هذا ماذا؟ هذا عصيان. ومقابلة هذا العصيان بماذا تكون؟ بالخذلان والعياذ بالله.
ختام الآية بوجوب التوكل على الله والأخذ بالأسباب والدعاء
ولذلك يختم [الله تعالى] الآية بحقيقة ذلك الإيمان بأن النصر إنما هو من عند الله، وأن الخذلان إنما هو لمن يعصي الله، فيقول:
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]
يبقى إذن يجب على المؤمن أن يتوكل على الله حق توكله، ويكون ذلك بالأخذ بالأسباب والدعاء: يا رب انصرنا من دونكم.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
