سورة آل عمران | حـ 516 | 161 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية القرآنية "وما كان لنبي أن يغل" تعلمنا عقائد مهمة حول عصمة الأنبياء وتنزههم عن الصغائر والكبائر.
- •تؤسس الآية منهجاً للتفكير السليم يدعونا لدراسة التاريخ وأخذ العبرة منه، باتباع أهل القلوب (الأتقياء الصالحين) والابتعاد عن أهل السلوب (المستبدين الطغاة).
- •تعلمنا الآية حكماً شرعياً يحرم السرقة في الحرب ويؤكد وجوب الأمانة.
- •يُروى أن اللغة العربية سماعية وليست قياسية، وهذا دليل على أنها من عند الله تعالى.
- •تُذكر قصة "صاحب الحق" من القادسية، وهو جندي مسلم رفض أخذ جوهرة ثمينة من غنائم الحرب، متمثلاً بقوله تعالى "وما كان لنبي أن يغل".
- •عاش المسلمون الأوائل القرآن في حياتهم، فكانت الدنيا في أيديهم ولم تدخل قلوبهم، واشتروا الآخرة وتركوا الدنيا.
- •هذا تطبيق عملي للآية التي تجمع بين العقيدة والمنهج والحكم الشرعي.
مقدمة الدرس وبيان ما تعلمه سورة آل عمران من عقائد ومناهج وأحكام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلّم المؤمنين العقائد والمناهج والأحكام:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ [آل عمران: 161]
يعلّمنا العقائد وأن الأنبياء من المصطفَين الأخيار، وأنهم تتوفر فيهم التقوى، وأنهم منزّهون عن الصغائر والكبائر، وأنهم في رضا الله وفي وحيه؛ فهم معصومون. هذه عقائد.
منهج التفكير المستقيم في دراسة التاريخ واتباع أهل القلوب دون أهل السلوب
ويعلّمنا من هذا مناهج للتفكير، وهو أن ندرس التاريخ ونأخذ منه العبرة، ونجعل المستبدين الطغاة من أهل السُّلوب، ونجعل الأتقياء الأنقياء الصالحين الأبرار من أهل القلوب، ونتّبع أهل القلوب ونحذر من فعل أهل السُّلوب.
فإذن هذا يعلّمنا منهجًا للتفكير المستقيم ولمعيار القيم.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ [آل عمران: 161]
ما هذا؟ هذا إيمان وعقائد تصف الأنبياء بالصدق والعصمة والمحافظة على المقاصد الشرعية المرعيّة والتوفيق والصلاح، ومناهج للتفكير في اتباع أهل القلوب دون أهل السُّلوب.
قصة الإمام أبي حنيفة مع القياس في اللغة وأن اللغة سماعية لا قياسية
فالسَّلْب والسَّلْب يصبح سُلوبًا جمع السُّلوب هكذا، والقلب قلوب. وليس هناك اطّراد في العربية؛ يعني لا تقل كلب وكلب فيصبح كُلوب، لا بل كِلاب.
ولذلك يقولون إن سيدنا أبا حنيفة عُرض عليه ذلك وهو شاب صغير. قالوا له: قلب جمعها ما هو؟ قال: قلوب. قالوا له: حسنًا وكلب؟ قال لهم: كُلوب. قالوا: والله خطأ، هذا كِلاب.
قال: لا قياس في اللغة، أرشدوني إلى العلم الذي فيه القياس. فأرشدوه إلى الفقه، فأصبح الإمام الأعظم. يقولون هكذا روايات، هكذا هو حتى لو لم تصح ففيها عبرة.
العبرة من القصة أن اللغة سماعية من عند الله ودعوات ما بعد الحداثة لإلغائها
ما العبرة التي فيها؟ العبرة التي فيها أن اللغة سماعية، وهذا أمر مهم يرشد إلى أن اللغة من عند الله. أصلها سماعية؛ ما هو عدم وجود هذه الأقيسة في اللغة يرشد إلى أن هذه اللغة من عند الله هي كذلك، وما دامت كذلك فإن ربنا هو الذي أنزلها.
مدارس ما بعد الحداثة الآن تدعو إلى إلغاء اللغة. لماذا؟ قال: دَعِ الإنسان يكون حرًّا في تفكيره، يقول عن الذي فوق إنه أرض وعن الذي تحت سماء! يا أخي لا حول ولا قوة إلا بالله.
حسنًا، ألا ترون أنكم بهذا تخلطون الأمور؟ قيل لك: ليس عليها شيء، يعني دَعْ فيها حرية. والله أمر عجيب!
حكم السرقة في الحرب وقصة صاحب الحُقّ في معركة القادسية
حسنًا،
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ [آل عمران: 161]
إذن فهمنا الإيمان وفهمنا المناهج وفهمنا الأحكام؛ أن السرقة في الحرب حرام.
يُحكى في التاريخ في غزوات المسلمين الأوائل، وقد اختلط القرآن بدمائهم ولحمهم وأذهانهم ونفوسهم وأرواحهم، قصة تُسمّى بقصة صاحب الحُقّ.
ما هي قصة صاحب الحُقّ؟ صاحب الحُقّ هذا يقول لك: كان هناك معركة، كانت في القادسية، وبعد ذلك انتصر فيها المسلمون. فطلب أحد المحاربين لقاء الأمير قائد الجيش، فلم يُؤذن له، فظلّ واقفًا طوال النهار يطلب الدخول على الأمير.
المحارب يسلم جوهرة كسرى للأمير أمانةً رغم فقره وتمزق ثيابه
فلما دخل عليه قال له الأمير: لماذا تريد أن تقابلني ونحن مشغولون في الحرب؟ قال: حتى أسلّمك الأمانة. قال: وما الأمانة؟
ووجد أمامه رجلًا يستر عورته بشيء من ثوبه، أي أن ملابسه ممزّقة وعورته ستظهر، وهو لا يريد أن تظهر العورة، فماسكٌ يا عيني فتحة الجلباب لكي لا تظهر عورته.
حسنًا ماذا يريد؟ أيّ أمانة؟ قال له: هذا الحُقّ، وأعطاه علبة. العلبة الصغيرة هكذا نسمّيها ماذا؟ الحُقّ. فوجدها علبة مرصّعة بالألماس والماس والياقوت، فتحها فوجد فيها جوهرة من جواهر كسرى.
استشهاد المحارب بآية الغلول وإيثاره الآخرة على الدنيا رغم فقره
قال له [الأمير]: فلماذا لا تأخذها؟ أي لماذا لم تأخذها في جيبك؟ لماذا؟ قال له:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 161]
قال له [الأمير]: وأنت على ما أنت عليه، لا تجد الثوب تلبسه، وتاركٌ شيئًا بملايين الجنيهات ولا يراك إلا الله! فاشترى [هذا المحارب] الآخرة وترك الدنيا.
فكانت الدنيا تجري وراءهم، وكانت الدنيا في أيديهم ولم تدخل الدنيا في قلوبهم.
خلاصة الدرس في تحويل الآية من إيمان ومنهج وحكم إلى حياة عملية
فانظروا ماذا فعل هذا الرجل حول هذه الآية: من إيمان ومنهج وحكم إلى حياة عاش فيها.
فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
