سورة آل عمران | حـ 517 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 517 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يقرر الله في سورة آل عمران حقائق الهداية التي تجلب سعادة الدارين لمن اتبعها، فالله صادق في وعده لا يخلف الميعاد.
  • يطرح الله سؤالاً: "أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله"، وهو ليس استفهاماً حقيقياً لأن الله لا يسأل عما لا يعلم، بل المقصود منه لفت الانتباه والتأكيد.
  • الاستفهام في القرآن قد يأتي للإنكار أو لفت النظر إلى الحقائق المهمة، فالله يريد أن يؤكد أن المتبع لرضوانه ليس كمن استحق سخطه.
  • هذا السؤال بمثابة اختبار واضح للمؤمنين، فالإجابة المتوقعة هي "لا" ليس متبع الرضوان كمن استحق السخط.
  • يوضح الله نتيجة اتباع سخطه بقوله "ومأواه جهنم وبئس المصير"، وهذا يرشد إلى الإجابة الصحيحة.
  • بعض الناس يستهينون بعذاب الله وبجهنم، ويظنون أنها عقوبة مؤقتة، وهذا فهم خاطئ للقرآن.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في سورة آل عمران وتقرير حقائق الهداية والسعادة في الدارين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر لنا الحقائق التي بها الهداية، والتي إذا ما اتبعها الإنسان بعد ما اعتقد فيها شعر بسعادة الدارين [الدنيا والآخرة]، وشعر أيضًا أنه سوف يكون سعيدًا في الآخرة.

ثم بعد ذلك إذا ما رُدَّ إلى ربه لكان كذلك [سعيدًا]؛ لأن الله لا يخلف الميعاد ولا يخلف ما تعهد به.

﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]

فالله سبحانه وتعالى صادق؛ لأنه واسع ولا ينقص عطاؤه، لا ينقص عطاؤه من ملكه شيئًا.

معنى الاستفهام في قوله تعالى أفمن اتبع رضوان الله وأنه ليس للسؤال

قال [الله تعالى]:

﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 162]

سؤال لكنه لا يُقصد به الاستفهام [الحقيقي]؛ فإنه سبحانه وتعالى لا يسأل أبدًا. وفي الدعاء: «اللهم إنك تُسأل ولا تَسأل».

فمن يسأل وهو عليم بكل شيء؟ فما كان من كلامه سبحانه وتعالى على صيغة الاستفهام فإنه لا يُقصد به السؤال، وإنما قد يُقصد به الإنكار، وقد يُقصد به لفت النظر إلى الحقائق.

فكأنه يقول مؤكدًا، ومن أجل هذا التأكيد جاء الاستفهام، كأنه يقول: إن من اتبع رضوان الله ليس كمن باء بسخط الله.

الطريقان أمام الإنسان: طريق رضوان الله وطريق سخطه سبحانه وتعالى

حقيقة أنه يبقى هناك طريقان: طريق رضوان الله وطريق سخط الله والعياذ بالله.

وجاء السؤال لا من أجل أن يسأل باستفهام لا يعلم جوابه، [أي] يستفهم منا ما لا يعلم جوابه، لا! وإنما ليلفت انتباهنا؛ لأنه لا يُسأل سبحانه وتعالى.

وإنما هو الذي يُسأل من قِبَل الناس بالدعاء، ويُسأل من قِبَل الأنبياء في بيان الأحكام، ويُسأل من قِبَل الملائكة في الحكم والعلل لأفعاله سبحانه. يُسأل، لكنه لا يَسأل، بل إنه خارج عن المساءلة.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

غرض الاستفهام الإلهي هو لفت النظر والتأكيد على الحقائق الإيمانية

فالله سبحانه وتعالى إذا صاغ كلامه بصيغة الاستفهام فإن القصد منه لفت النظر والتأكيد على ما يلفت إليه أنظارنا.

وكأنه يقول: إن من اتبع رضوان الله سبحانه وتعالى ليس كمن باء بغضب وسخط من الله سبحانه وتعالى.

﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 162]

فلا، لا بد أن نقول ماذا؟ لا! هل هذا مثل هذا؟ يكون هذا سؤال اختبار وامتحان، مثل الأستاذ عندما يختبر تلاميذه ولله المثل الأعلى، فيسأله سؤالًا في العلم وهو يعرف إجابته.

تشبيه الاستفهام القرآني بامتحان الأستاذ لتلاميذه في لفت النظر

وعندما تجيبه سيصحح لك ويقول لك: لا خطأ، لا صح، لا خطأ، لا صح، ويُرسِّبك في الامتحان إذا لم تعرف كيف تجيبه وهو يعرف الإجابة.

وهذا لماذا؟ للفت النظر والاستحضار والاختبار والامتحان. يلفت نظرك للفرق بينهم لكي تنجح.

يجب أن تقول ماذا؟ تقول: لا، ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله. يجب أن تجيب هكذا، ويجيب بذلك المؤمنون فينجحوا في الامتحان.

الإجابة الصحيحة على الامتحان الإلهي ورحمة الله في إرشاد عباده

سؤال [من الله في القرآن]، وجاءك في الامتحان، ربنا يمتحنك. عرفت تجاوبه والإجابة ماذا؟ لا، هكذا هو، لا. نعم، بدأنا، هاهو جيد! لا، أول ما تقول «لا» تكون قد نجحت في الامتحان.

[الله سبحانه وتعالى] رحيم بك، يريد يعني أن يعطيك شيئًا هكذا، يرشدك إلى الإجابة.

ما هو الأساتذة أنواع: أستاذ يُلغز لك في السؤال حتى لا تعرف كيف تجيب، وأستاذ آخر يفتحه لك هكذا، إن لم تستطع الإجابة فإنك تستحق فعلًا أن تسقط.

المؤمنون يحبون رضوان الله ويخافون سخطه ومن يتغابى عن ذلك

﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 162]

جميع المؤمنين يحبون رضوان الله ورضاه عنهم، وجميع المؤمنين يخافون من سخط الله وغضبه، جميع المؤمنين هكذا.

ربما أن يتغابى المرء ويقول له: لا أعرف! ويقولوا هكذا: أنا لا أعرف إذا كان رضوان الله أم سخط الله أيُّ هو المناسب.

فقال [الله تعالى]:

﴿وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 162]

عرَّفك الآن! إذن أن الذي يتبع سخط الله هذا إلى أين يذهب؟ يذهب إلى جهنم.

ترشيح الإجابة في القرآن لمن يتظاهر بالجهل بمعنى سخط الله

ومأواه جهنم، إذن هذا مأواه جهنم. يُرشِّح الإجابة أي يرشدك إلى الإجابة.

ما دمت لا تعرف سخطًا من الله ماذا يعني، وقلت: ماذا يعني السخط؟ هذا شخص يتظاهر بالغباء، لا يعلم أن السخط هو الغضب من الله.

فقال لهم هكذا:

﴿وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 162]

فهو يرشدك إلى الإجابة بأن تقول: لا، ليس هذا كذلك.

﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162]

التحذير من الاستهانة بعذاب الله والرد على من يستخف بجهنم

إن الله يتكلم للإنسان، ونحن سمعنا في حياتنا، سمعنا الإنسان الجاهل وهو جاهل لأنه لم يقرأ كلام الله، يُكثر من المعصية. إذن هو جاهل، نقول له: لكن هذه يعني عقابها شديد وهكذا، هناك جهنم.

فيقول: جهنم ماذا؟ أدخل يومين! حتى الدنيا هناك يعني تكون أيضًا دافئة في جهنم! أليست جهنم هي النار؟ ويستهين بعذاب الله ولا يدرك ما معنى عذاب الله.

أو آخر يستهين ويقول:

﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]

سمعنا، وورد في القرآن هذا الصنف من الناس الذين يستهينون بعذاب الله.

تأكيد الله بقوله وبئس المصير تحذيرًا لمن يستهين بعذابه والخاتمة

فذهب [الله سبحانه وتعالى] يؤكدها وقال:

﴿وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162]

انتبه! إن الذي تتكلم به هذا خطأ، ومن يتكلم على الله [بغير علم فقد أخطأ خطأً عظيمًا].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.