سورة آل عمران | حـ 519 | 162 - 163| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 519 | 162 - 163| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الآية الكريمة "أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله" تبين أن الناس درجات عند الله، فمنهم من يتبع رضوانه ومنهم من يستحق سخطه.
  • علم الرسول ﷺ أمته أن تحيط الفرائض بالسنن والنوافل، فجعل للفرائض السبع عشرة ركعة سبع عشرة أخرى من السنن.
  • نوع الرسول ﷺ النوافل بين سنن رواتب وصلاة الضحى وقيام الليل وصلاة الاستخارة والحاجة والشكر وتحية المسجد.
  • الصلاة أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، وفيها صلة بين العبد وربه، وهي خاصة بالمسلمين.
  • أرشدنا الله إلى أوقات فاضلة كالثلث الأخير من الليل وليلة القدر والعشر من ذي الحجة ويوم عرفة وعاشوراء.
  • ينبغي عدم التشدد في الدين، فالتكليف قليل، وليس كل شيء حراماً، فقد نهى النبي ﷺ عن التنطع في الدين.
  • الخطيئة هي الخطأ غير المقصود، وقد تكون قاصرة على النفس أو مؤذية للغير.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تفسير آية التفاضل بين من اتبع رضوان الله ومن باء بسخطه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 162-163]

هؤلاء الذين هم درجات عند الله، من هم؟ هم الناس الذين اتبعوا رضوان الله، والناس أيضًا الذين ساروا في طريق السخط والغضب من الله؛ درجات [أي كلا الفريقين متفاوتون في المنازل].

تفاوت الناس في أداء الصلاة وحديث الأعرابي مع رسول الله

ففي أناس يصلون على الحركرك [أي بالكاد وبأدنى حد]، كيف هذا؟ الحركرك كيف هذا؟ الحركرك كيف؟ يعني بالكاد يصلي فرضه.

هذا جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

يا رسول الله، هل الله فرض علينا الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة؟

وجلس رسول الله يخبره ويقول له: [نعم]. فهل فرض علينا شيئًا غيرهن؟ يقول: لا. حسنًا، الصيام رمضان، هل فرض شيئًا غيره؟ لا. حسنًا، الحج وهكذا.

فقال [الأعرابي]: «والله لا أزيد عليها ولا أنقص»، قال [النبي ﷺ]: «أفلح إن صدق»

حسنًا، هو من الممكن ألا يصدق [أي أن يقتصر على الفرائض فقط دون زيادة].

خطورة الاقتصار على الفرائض وتعليم النبي إحاطة الصلاة بالنوافل

عندما يقف [المسلم] في هذا على الحافة ويمشي على الحافة، يصبح معرضًا للوقوع في الهاوية. هذا صعب جدًا أن تحافظ على الشيء يعني مائة في المائة.

فماذا نفعل إذن؟

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا كالوالد لولده، يربينا أن نحيط هذه الصلاة [المفروضة] بالصلوات [النوافل والسنن الرواتب].

فهناك كما أن سبع عشرة ركعة في الفرض، سبع عشرة ركعة في السنة أيضًا. فيكون سبع عشرة ركعة فرض وسبع عشرة ركعة سنة، فيكون قد أحاط صلوات الفرائض بصلوات أخرى.

تفصيل السنن الرواتب قبل وبعد كل صلاة مفروضة

فيقول لي [النبي ﷺ]: الفجر ما رأيك أن تصلي قبله ركعتين. الظهر: صلِّ قبله اثنتين وبعده اثنتين، أو أربعًا واثنتين، أو اثنتين وأربعة، ويعطيني تنويعات كذلك.

فماذا عن العصر؟ يقول لي: ما رأيك أن تصلي قبله اثنتين أيضًا. والمغرب: قبله اثنتين وبعده اثنتين. والعشاء: اجعلها قبلها اثنتين وبعدها اثنتين.

وبعد ذلك والوتر على الأقل واحدة، اجعلها ثلاثة، اجعلها خمسة، اجعلها سبعة. فإن الوتر كله هذا يعلمنا كيف نوسع الدائرة؛ إذا كنت مستعجلًا أو كنت كذلك فهاك ركعتان، إن كان لديك وقت فاصنع الشفع واصنع الوتر واصنع كذلك واجعل الوتر ثلاثًا. أي هكذا فلا تحرم نفسك.

دوائر الصلاة المتعددة من قيام الليل والضحى وتحية المسجد

وهكذا يبقى علمنا الصلاة [المفروضة] ووضع حولها صلاة أخرى [السنن الرواتب]، ووضع حول الصلاة الثانية هذه صلاة ثالثة [النوافل المطلقة].

فقال لي: ألا تقوم الليل وتكون مثل سيدنا رسول الله؟ هكذا:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

فما رأيك عندما تصلي الضحى؟ وما رأيك عندما تصلي تحية المسجد وأنت داخل المسجد؟ وما رأيك أن تصلي ركعتين شكرًا لله عندما يأتيك أمر فيه نعمة تستحق الشكر؟ وما رأيك وهكذا يعطينا من النوافل.

الصلاة في البيت والإكثار منها وقربها من الله تعالى

وتذهب إلى الكعبة تطوف تؤدي ركعتين طواف. تذهب، أعطانا أيضًا دائرة [واسعة من العبادات].

وما رأيك ألا تجعل بيتك كالقبر؟ صلِّ فيه، هكذا صلِّ فيه. ماذا لله يا أخي؟ الله أيضًا في شيء لله، نعم صلِّ هكذا هو، صلِّ هكذا هو، صلِّ.

«وأكثروا من الصلاة فالصلاة خير موضوع وأحسن شيء»

هي الصلاة، والصلاة هذه هي أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد.

فماذا تريد إذن؟ وسُمِّيت الصلاة بهذا الاسم للصلة؛ لأن فيها صلة بينك وبين ربك.

مشروعية صلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وكنز الصلاة

وشرع لنا صلاة الاستخارة ركعتين وتدعو: يا رب وفقني في هذا الأمر. وصلاة الحاجة ركعتين وتقول: يا رب اقضِ الحاجة الفلانية.

وهكذا يبقى علمنا الصلاة، هذا علمنا الصلاة، هذا أعطانا إذن كنزًا نعمل به أشياء.

شيء آخر: هل هذا سر؟ آه سر، آه؛ لأنه لا أحد يعرفه إلا المسلمون. طيب ما نحن نتكلم في التلفزيون، ها هو كل الناس يعرفونه.

هل هناك أحد يصلي؟ هل يوجد أحد يصلي؟

هذا ما لا يوجد؛ لا يسجد لله رب العالمين الآن إلا المسلمون. هذا هو السر الذي افتقده كثير من الناس من البشر.

الصلاة منحة إلهية وإرشاد الله إلى أوقات الإجابة المباركة

يعني بشر لا يعرف كيف يكلم ربه، يكلمه بطريقته، حسنًا، ولكن تبقى هذه واحدة من المنح التي أعطاني الله إياها.

كما أرشدنا إلى يوم الجمعة الذي فيه ساعة الإجابة، كما أرشدنا إلى ليلة القدر، كما أرشدنا إلى العشر الأوائل من ذي الحجة بما فيها يوم العيد؛ نصوم تسعة ونفرح في العاشر.

كما أرشدنا وهكذا ليوم عرفة، كما أرشدنا ليوم عاشوراء، وهكذا سبحان الله:

﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]

أرشدنا سبحانه وتعالى إلى ثلث الليل الأخير وأنه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول:

«هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه» رواه البخاري

هكذا، والثانية: فأغفر له فأعطيه، عن نصب يعني هذه على العطف وهذه على السببية عن نصب.

معنى الدرجات عند الله في الرضوان والسخط ودعوة العاصي للتوبة

حسنًا يعني انظروا لماذا هم درجات عند الله؟ إذن دوائر [من العبادات والطاعات]، إذن وهم درجات عند الله. هذا في الرضوان.

فماذا عن السخط؟ درجات أيضًا؛ ولذلك جهنم درجات وليس درجة واحدة.

وعندما يعرف العاصي أنه درجات، ما رأيك أن هذه دعوة للتوبة؟ يقول له: لا تخف، لست بالضرورة عاصيًا جدًا، ارجع بسرعة؛ لأن بعض الناس يملّون عندما تقول له: أنت حرام عليك أن تفعل ذلك، وحرام عليك أن تفعل ذلك، وتجعل كل حياته حرامًا في حرام.

فما دام يسير في حياته يقول لك: إذن سأفعل الحرام وأدخل جهنم وانتهى الأمر. نعم، هذا لا يعرف ما معنى جهنم.

خطورة تحريم الحلال والتنطع في الدين ونهي النبي عن ذلك

وأخونا الآخر الذي فتنه [بكثرة التحريم]، هذا لا يعرف ما معنى الدين ولا ما معنى الدنيا؛ لا دين ولا دنيا يعرفها. فمصيبة سوداء أن تُسوَّد الحياة في وجوه الناس.

كلما جلسنا في مجلس وكان هناك شخص يتحدث، كلما تكلم هبَّ عليه شخص آخر قائلًا: هذا حرام، أستغفر الله، هذا حرام، قل ما شاء الله، هذا حرام، قل لا إله إلا الله. حسنًا وبعد ذلك حرَّمت عليك معيشتك.

ما كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا، إنما:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

والتكليف قليل، ليس كل كلمة هكذا قد أصبحت حرامًا.

التحذير من تحريم الحلال والتشريع مع الله والفرق بين الخطأ والخطيئة

وتقول له هكذا، تقول يعني أنت تستهين بالحرام؟ لا، بل أنت الذي تحرِّم الحلال والعياذ بالله تعالى، فتُشرِّع مع الله، فحسبنا الله ونعم الوكيل فيك البعيد.

لا تسكت له، لا تسكت له؛ لأن هذا فتنة في الدين. ولذلك ضرب عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] على مثل هذا، ونهى رسول الله ﷺ عن التنطع في الدين.

كل هذا آتٍ من أين؟ من الدرجات:

﴿هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 163]

والله يعلم النيات في هذا وهذا، سبحانه مطلع ويعلم الفرق بين الخطأ والخطيئة. هي الخطأ عن غير قصد، والخطيئة قد تكون قاصرة على النفس وقد تكون مؤذية للغير.

دعاء ختامي بستر العيوب وغفران الذنوب والثبات على السنة النبوية

وهكذا فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يستر عيوبنا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يجعلنا قائمين على سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.