سورة آل عمران | حـ 521 | 165 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يعلمنا الله في سورة آل عمران كيفية التعامل مع المصائب من خلال قوله: "أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم".
- •ينبغي علينا عند المصيبة أن ننظر إلى الجزء المملوء من الكأس وليس الفارغ، وأن نتذكر نعم الله علينا الكثيرة.
- •من عناصر السعادة الرضا بقضاء الله وقول "الحمد لله على كل حال" في السراء والضراء.
- •يجب البحث عن السبب الحقيقي للأزمة الذي غالباً ما يكون تقصيراً منا، لذا علينا مراجعة أنفسنا قبل أن نحاسب.
- •المراجعة الذاتية تتطلب العدل والإنصاف، وأن نبدأ بإصلاح أنفسنا قبل غيرنا.
- •ينبغي عدم رؤية القذى في عين الآخرين مع تجاهل العيوب الكبيرة في أنفسنا.
- •الله قادر على تغيير حالنا للأفضل، لكن علينا أولاً أن نتخذ الأسباب ثم ندعو الله ليبارك فيها.
مقدمة الدرس وبيان أن آيات سورة آل عمران تعلم المسلمين كيفية التعامل مع الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلّمنا كيف نتعامل مع الحياة. وليست الآية قاصرة على سببها وما نزلت من أجله، بل هي تعلّم الناس والمسلمين إلى يوم الدين كيف يعيشون في هذه الحياة، وكيف يقرؤون الأحداث التي يخلقها الله سبحانه وتعالى لهم وحولهم.
نزول آية أُحد وتساؤل المسلمين عن سبب الهزيمة رغم تأييد السماء
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]
يعني نزلت هذه [الآية] بخصوصها في غزوة أُحد، لمّا انهزم المسلمون. والسؤال الذي سأل [المسلمون] الله [عنه]: ما الحكاية؟ كيف نحن أصبحنا مؤيّدين من السماء، كيف نكون على الحق ثم ننهزم؟
قال لهم [الله سبحانه وتعالى]: حسنًا، انتبه! عندما تأتيك مصيبة أو أزمة أو خسارة، تمامًا انظر إلى الكوب وهو مملوء، لا تنظر إلى الفارغ.
النظر إلى نعم الله والجزء المملوء من الكوب عند المصائب
ما هي المصيبة؟ هي التي فارغة، والنعمة هي التي مملوءة. الماء في الكوب ثلثان هكذا؛ لا تقل هذه المياه، هذا الكوب ثلثه فارغ. لا، تقل ماذا؟ الكوب الثلثان مملوءان.
انظر إلى نعم الله عليك! صحيح أنت في أزمة أو في خسارة أو في مصيبة، فأصابتكم مصيبة. الموت ما هو؟ الموت مصيبة، والمرض ما هو؟ بلطيف [ليس بالأمر الهيّن].
يعني ماذا نفعل؟ نتبرّم؟ نشكو الله؟ قال: لا! إذن أنا أُنعم عليك ليلًا ونهارًا، وبعد ذلك جئتَ في هذا الأمر الصغير تنظر إليه وكأن الدنيا اسودّت في عينيك!
التذكير بنعمة النصر في بدر مقابل مصيبة الهزيمة في أُحد
﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: 165]
هي مصيبة حقًا، الهزيمة في المعركة وكسر الخاطر، هذه مصيبة. ما انتبهتم إلى أنكم قد أصبتم من قبل في بدر مثليها! المصيبة التي فقدتم فيها هنا عشرة [أو] عشرون، ما كنتم تتذكرون ذلك.
فأول شيء يعلّمه لنا [الله سبحانه وتعالى] أن نقول الحمد لله. وسيدنا رسول الله ﷺ علّمنا ذلك حتى في الأمر [الصعب].
حمد الله على كل حال في السراء والضراء والرضا بقضاء الله
الحمد لله، هذا على النعمة. طيب، هذه مصيبة وليست نعمة! قالوا: يا أخي، قل الحمد لله على كل حال. فإذا أصابتنا نعمة قلنا الحمد لله، وإذا أصابتنا أزمة ومصيبة وخسارة أو هزيمة أو نقص، فماذا نقول؟ نقول الحمد لله أيضًا. هذا الحمد لله، ولكن ماذا؟ على كل حال.
فإننا نحمد ربنا، نحمد ربنا في السراء والضراء وحين البأس أيضًا. نحن سائرون هكذا؛ أصابتنا مصيبة:
﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
هؤلاء ذكروا الله أيضًا، وليس فيه تذمّر بل رضا بقضاء الله. وهذا أول عنصر من عناصر السعادة.
الرضا بالقضاء لا يعني طلب المزيد من البلاء بل الأخذ بالأسباب
وهذا [الرضا بقضاء الله] لا يعني أنني بما أنا فيه طيب، أنا فيه وأدعو: يا رب زد منه! لا، بل أنا في أزمة؛ فالمرض أزمة، والهزيمة أزمة، والخسارة أزمة، وضيق المعيشة أزمة، والديون أزمة، والرسوب في الامتحان أزمة. أزمات ومصائب [كثيرة].
قوم [يا أخي]، أنا أعرف كيف أتعامل مع الأزمة. أشياء تدور [حولي] فلا أقول يعني يا رب زدني من هذا، لا! وإنما أرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى وأقول الحمد لله.
البحث عن السبب الحقيقي للأزمة والبدء بمراجعة النفس والتقصير
وكذلك نقطة ثانية كي أبقى سعيدًا: أبحث عن السبب الحقيقي لهذه الأزمة. فأجد أن هذا السبب الحقيقي لهذه الأزمة بدأ مني؛ هو بقدر الله وبخلق الله، ولكن بدأ مني في تقصير عندي.
أنني إن كنت تاجرًا وخسرت، فإنني لم أحسب حسابها جيدًا، ولكن كان بإمكاني أن أحسبها جيدًا. وإن كنت عسكريًا وانهزمت، فإنني لم أحسب حسابها جيدًا، وكان بإمكاني أن أحسبها جيدًا. ففي تقصير!
راجع نفسك، ولذلك قال رسول الله ﷺ: قبل أن تحاسبوا [غيركم] راجعوا أنفسكم، راقبوها وراجعوها. هكذا كونوا طيبين.
مراجعة النفس تقتضي العدل والإنصاف والبدء بإصلاح الذات قبل الآخرين
وأما مراجعة النفس هذه تقتضي ماذا؟ تقتضي العدالة والعدل والإنصاف؛ أن تكونوا منصفين مع أنفسكم. قال [النبي ﷺ]: ابدؤوا بأنفسكم ثم بمن تعولون.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
ابدؤوا بأنفسكم! أنتم، كيف نغيّر إذن؟ ما شأنك بالناس، انظر إلى نفسك.
ويقول رسول الله ﷺ:
«أترى القذاة -قطعة [الخشب] الصغيرة هكذا- في عين أخيك، وتترك جذع النخلة في عينك؟»
لكنك ماهر، تنظر إلى الناس وتتكلم عليهم! لا، دع هذا. ابدأ بنفسك، قل: ما أنا الذي أخطأ؟ ما هو؟ يوجد خطأ هنا، ها أنا أريد أن أزيلها. أنا، نعم، ابدأ بنفسك صحيح.
ترك النظر إلى عيوب الآخرين والتنبه إلى النعمة والنظر إلى الجزء المملوء
ودع حكاية أن ترى جذع النخلة في عين أخيك وأنت لا ترى جذع النخلة في عينك أنت! فجذع النخلة عندك أنت تتركه، وترى القذى في عين أخيك.
فيقول [الله تعالى]:
﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165]
فهو ينبّهنا إلى أن ننظر إلى الجزء المملوء من الكأس، أي بمعنى آخر: ننظر إلى النعمة. وبمعنى ثالث: نقول الحمد لله على كل حال، على هذا والحمد لله على النعمة.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
هذه رقم واحد [من عناصر السعادة].
العدل في النظر إلى مجمل الحياة وعدم الشك والتردد عند المصائب
كن عادلًا وأنت تنظر إلى مجمل حياتك؛ ستجد أن ربنا رزقك بالبصر وبالسمع وبالصحة وبكذا إلى آخره. لكنني مريض الآن! طيب، ما كنت صحيحًا طوال عمرك أكثره؟ أي حسنًا.
﴿قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا﴾ [آل عمران: 165]، هو [الله سبحانه وتعالى] لا يريدك أن تقول هكذا؛ إن هذا [التساؤل] يبقى كيف إذن؟ الشك والتردد، هذه نقطة ثانية.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]
الذي هو ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. ابدأ بنفسك ثم بمن يليك الذي بعدك مباشرة. هكذا فقط، ابدأ بنفسك أولًا من أجل القدوة الحسنة.
الإنصاف مع النفس والإيمان بقدرة الله على تغيير الحال مع الأخذ بالأسباب
هو من عند أنفسكم، فيجب أن يكون هناك إنصاف، يجب أن تكون عادلًا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]
الله، إن الله على كل شيء قدير. ما علاقته بما نقوله الآن؟ نعم، يعني ربنا قادر على أن يغيّر حالك مما أنت فيه إلى أحسن.
يقول لك: انتبه! إذا ما أردت أن تغيّر نفسك فابدأ بنفسك وغيّرها، وقل يا رب. فالفلاح يلقي البذر ثم يدعو، يقول: يا رب، حسنًا. ولو لم يُلقِ البذر، والله ما من زرع سيخرج ولو دعا. قال: يا رب، نعم طبعًا! لكن يجب أن يرمي البذر أولًا، ويجب أن يتخذ الأسباب.
بعد ذلك يدعو الله سبحانه وتعالى لأن يبارك في هذه الأسباب وأن يؤتي ثمرتها.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
