سورة آل عمران | حـ 522 | 166 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •ما حدث في غزوة أحد من خروج المسلمين من المدينة كان بإذن الله وحكمته، فلو كانت الهزيمة داخل المدينة لقضي على الدعوة الإسلامية.
- •كل الحروب التي واجهها المسلمون تثبت أنهم كانوا مظلومين ومعتدى عليهم، فالمشركون جاؤوا من مكة لقتالهم في المدينة.
- •الآية "وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله" تعلم المسلم أن كل ما يقع في الكون هو بإرادة الله وقدره.
- •معرفة أن ما يصيبنا بإذن الله تمنع الإحباط وتزرع الرضا، وتجعل المسلم يدرك أن فيما يصيبه حكمة إلهية.
- •المسلم لا ييأس من نفسه إذا أخطأ، بل يتوب ويستغفر ويعود للصراط المستقيم، لأن "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
- •قوله تعالى "وليعلم المؤمنين" يدعو المسلم لأن يكون في أحسن حال أمام الله، متحلياً بالإيمان والرضا والتسليم.
مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة آل عمران عن غزوة أحد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر الحقائق وينسب الأمور إلى حقيقتها:
﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166]
حكمة الله في خروج المسلمين من المدينة إلى أحد لحمايتهم من الهزيمة الداخلية
الذي حدث في أُحُد من هزيمة، والذي حدث في أُحُد من أن الله قد ألقى في قلوب المؤمنين أن يخرجوا من المدينة إلى أُحُد؛ لو كانت الهزيمة داخل المدينة لقُضِيَ على الدعوة. فربنا ألهمهم أن يخرجوا خارجًا، وهذا أمر واحد.
يقول لي: ما هو ممكن أن يكون لو كان داخل المدينة لانتصروا؟ نعم ممكن، ولكن لو كانت الهزيمة واقعة داخل المدينة لكانت بلاءً عظيمًا.
حقد المشركين وتحركهم من مكة إلى المدينة دليل على ظلم المسلمين
يتحرك المشركون من مكة إلى المدينة، مكة إلى المدينة هذه تدخل في ثلاثمائة وستين كيلومترًا أكثر. فيبقى ماذا يعني الذي يجعلهم يتحركون كل هذا؟ الحقد الذي في القلوب يجعل هذا [التحرك الكبير يحدث].
عند المدينة وهذا معناه ماذا؟ ما هو كل هذا بإذن الله، معناه أن المسلمين معتدًى عليهم، مظلومون، أصحاب حق. أنا جالس في المدينة، ما الذي جاء بك أنت من أربعمائة كيلومتر بُعدًا بجيوش جرارة لكي تضربني؟
المسلمون كانوا دائمًا في موقف الدفاع عن أنفسهم لا الاعتداء
أنا جئت إليك؟ ذهبت إليك؟ بدر بجانب المدينة، أُحُد جانب المدينة، كان الخندق في المدينة. وهذا معناه أن أناسًا يقومون بضربنا يمينًا وشمالًا ولا يريدون أن يسكتوا، وكل هذه الأمور متتالية؛ أي ليس هناك فاصل زمني كبير بينها.
وهذا لأجل ماذا؟ لكي نجلس نحن هنا الآن في القرن العشرين ونُعرِّف الناس أننا كنا ندافع عن أنفسنا. هل نحن قتلنا أحدًا أم ضربنا أحدًا أم لا أدري ماذا وجعلناها دمًا؟ إننا ندافع عن أنفسنا من أناس يضربوننا طوال الحياة.
تاريخ المسلمين في الدفاع عن أنفسهم ضد الأعداء المتعاقبين
بعد ذلك ضربنا اليهود داخل المدينة في الخندق حتى أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الخيانة، وضربنا الفرس والروم. وبعد ذلك ضربنا التتار والصليبيون، الاستعمار ضربنا.
بعد ذلك نحن ذهبنا في مكان إلا من أجل أن ندافع وأن نزيل الطغيان ونصد العدوان.
معنى قوله تعالى فبإذن الله وأثره في دفع الإحباط عن المؤمن
﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 166]
من هزيمة بعد نصر، النصر شتت قلوبهم وبعد ذلك هذه الهزيمة، كل هذا يوم التقى الجمعان فبإذن الله. يبقى إذا تعرف أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد [الله سبحانه وتعالى].
ماذا تفعل لنا إذن؟ تفعل شيئًا عظيمًا جدًّا: لا يمكن أن يصيبك الإحباط ما دمت حين تعلم أن هذا من عند الله. ورقم اثنين: ترضى؛ ما دام من عند الله فإن الله سيستر. ما دام من عند الله فإن فيه حكمة. ما دام من عند الله ولا يظلم ربك أحدًا.
الرضا بقدر الله يمنع الإحباط ويدفع المسلم للمحاولة مرة بعد مرة
الرضا قوّة؛ ما يبقى في إحباط ولا ضجر، يبقى في رضا.
نقطة مهمة جدًّا: أن المسلم تمامًا ما لا يعرف أحد يُحبِطه. لكن هذا ينهزم أيضًا ما لا يُحبَط، وفشل يقوم مرة أخرى يحاول مرة أخرى، وفشل المرة الثانية أيضًا يحاول مرة ثالثة. في كل شيء، في كل شيء أعطيك في الحياة هكذا هو مع نفسك.
حديث كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ومعناه في عدم اليأس
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تُصاب بالإحباط، هو يقول لك ماذا؟ صلِّ وصُم، وإياك أن تزني، وإياك أن تقتل، وإياك أن تشرب الخمر، وإياك أن تأكل الخنزير. إياك! أمر ونهي.
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون»
معناه ألّا تيأس من روحك. امشِ على الصراط المستقيم، وقعت في الذنب فاندم واترك وارجع واستغفر. وقعت فيه مرة ثانية فافعل ذلك أيضًا مرة أخرى، فإن وقعت فيه عشر مرات على التوالي فسارع إلى الله.
عدم اليأس من رحمة الله والعناد في الطاعة لا في المعصية
ما هذا؟ أنا لن أيأس من نفسي، ولن أقول أنا داخل جهنم داخل جهنم فلتبقَ هكذا مجتمعة. أبدًا لا تقل هكذا! وخير الخاطئين التائبون.
أخطأنا، أمرنا لله، لا بأس. غدًا لن أخطئ. أخطأت مرة أخرى أيضًا، غدًا لن أخطئ. يا هذا أنت أصبحت عنيدًا في ماذا؟ في الطاعة! ليست عنادًا في المعصية، بل أنت عنيد في الطاعة. نعزم على الطاعة، ما رأيك؟ لا تيأس أبدًا.
تطبيق آية فبإذن الله في كل موقف والتعامل مع القدر بحكمة دون إحباط
﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 166]
ما رأيك، أتعرف أن تقول هذه الآية في أي موقف؟ فيه قدر، فيه قدر. الذي حدث قد حدث.
لا، شوف الحكماء وهم يقولون كذلك، التجارب تقول لك: لا نبكي على اللبن المسكوب. معي قليل من اللبن وانسكب وجلست أبكي عليه، فبدلًا من أن أبكي أُنظِّف الدلو الذي كان فيه اللبن وأذهب أحلب اللبن مرة أخرى.
خسارة، خسارة، ما حدث حدث، ولكن الإحباط والانكسار يجعلانك لا تعرف كيف تنهض.
التربية النفسية القرآنية على عدم معرفة الملل والإحباط والهزيمة
﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 166]
ياه! إنه يربّي نفسيًّا: لا تعرف الملل، لا تعرف الإحباط، لا تعرف الهزيمة، وإن أقررت بها وعملت على إزالتها.
معنى وليعلم المؤمنين وأن الخطاب موجه لنا لنكون صادقين أمام الله
ويريد [الله سبحانه وتعالى] أن يعطيك شيئًا نفسيًّا آخر، فيقول لك ماذا؟
﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166]
من الذي يعلم المؤمنين؟ الله. حسنًا، أليس الله عالمًا؟ هذا لنا نحن.
هل هذا الخطاب نحن الذين نقوله لربنا أم ربنا الذي يقوله لنا؟ لا، ربنا الذي يقوله لنا. القرآن يخاطبنا نحن، فيقول لي هكذا: لكي تصبح صادقًا أمام الله.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 166]
ما هم عليه، فالمؤمنون مفعول به. وليعلم المؤمنين يعني اثبت.
كن حيث أرادك الله في مواطن طاعته وأحسن حالك أمامه دائمًا
عندما تقول مثلًا: إن والدي قادم ويجب أن أكون أمامه يعني هكذا، ما هو الموقف المناسب؟ إذن كن أمام الله. ولذلك قال لك: كن حيث أرادك الله؛ يعني في مواطن طاعته لا في مواطن معصيته.
وهذا يدفع الإنسان إلى أن الله الذي يراقبه دائمًا ويعلم سره ونجواه، يعني يجب أن يجدك على أحسن حال، وفي حالة الإيمان والرضا والتسليم والتوكل.
وبهذا يغيّر الله من حالك إلى أحسن حال. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
