سورة آل عمران | حـ 523 | 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 523 | 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص دلالة استخدام كلمة "الذين نافقوا" بدلاً من "المنافقين" في الآية القرآنية "وليعلم الذين نافقوا".
  • استخدام الاسم كـ"المؤمنين" يفيد الثبات والاستمرار، بينما استخدام الفعل "نافقوا" يدل على التجدد والحدوث.
  • هذا التعبير يفتح باب التوبة لمن وقع في النفاق لأنه يشير إلى فعل وليس صفة ثابتة كالمنافقين.
  • موقف المنافقين كان: "لو نعلم قتالا لاتبعناكم" عندما طُلب منهم القتال في سبيل الله أو الإنفاق.
  • اعتذارهم كان مبنياً على حسابات خاطئة ظناً منهم أن المسلمين سيُهزمون.
  • وصفهم الله بأنهم "للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان" وهذا يؤكد أنهم بين الكفر والإيمان وليسوا كفاراً بالكامل.
  • يُضرب مثال بعثمان بن عفان الذي جهز جيش العسرة، فقال عنه النبي: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم".
  • الدرس المستفاد هو فتح باب التوبة والرجوع إلى الله لمن وقع في النفاق.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الابتلاء يوم التقى الجمعان من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166]

وهذه [الآية] شرحناها في مرة سابقة، وبعدها يقول:

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167]

فكما أن الله سبحانه وتعالى يختبرنا ويمتحننا، فمنا من ينجح ومنا من يفشل؛ ليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا.

الفرق البلاغي بين استعمال الاسم والفعل في وصف المؤمنين والمنافقين

وهنا يقول لك: حسنًا، لماذا لم يقل "ليعلم المنافقين"؟ لماذا عندما جاء [ذكر المؤمنين] قال "ليعلم" وعبّر بالاسم "المؤمنين"، وعندما جاء يعبّر عن المنافقين قال ماذا؟ "الذين نافقوا".

"الذين نافقوا" لم يقل "ليعلم المنافقين"؛ في أمام المؤمنين قال ["المؤمنين" بالاسم]. عندما يستعمل الاسم فإنه يفيد الثبات والاستمرار، فالإيمان راسخ في قلوبهم وكذلك هم مستمرون في الإيمان.

وعندما يستعمل الفعل فإنه يفيد التجدد والحدوث، فيكون الفعل أخف من الاسم.

تطبيق قاعدة الفرق بين الاسم والفعل على حديث تارك الصلاة

ولذلك عندما يأتي سيدنا رسول الله ﷺ ليقول:

قال رسول الله ﷺ: «من ترك الصلاة فقد كفر»

فيكون تارك الصلاة كافرًا؟ فسيدنا الإمام الشافعي وأبو حنيفة ومالك قالوا: أبدًا؛ لأنه كان يقول «من ترك الصلاة فقد كفر»، و"كفر" فعل، يعني عمل عملًا من أعمال المعصية الشديدة المنسوبة إلى الكفر، عمل من أعمال يعملونها الكفار.

لكن لم يقل «من ترك الصلاة فهو كافر»، الفرق بين "كافر" و"كفر" أن "كافر" صفة ثابتة تبقى ثابتة عليه.

دلالة التعبير بالفعل في وصف المنافقين وفتح باب التوبة لهم

فلما يأتي هنا وينزل القرآن ويقول:

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167]

فيكون نفاق عمل، وفتح لهم باب التوبة. فيكون نفاق عمل أول [ما يفهمه] العربي؛ ما يسمع "الذين نافقوا" يعني أنت عملت عملًا من أعمال المنافقين، فيقول: يا للخبر السيء! إذن يجب أن أتوب.

فتكون كلمة "الذين نافقوا" قد فتحت للناس التي ارتكبت هذه المعصية التي سنراها الآن باب التوبة، وفتحت لنا نحن باب التوبة إلى يوم الدين، بحيث أنه لو حدث شيء مرة أخرى هكذا فإن الإنسان يتوب منها ولا ييأس بعد ذلك، ويعرف أنه لم يحكم الله عليه بالنفاق فلا يفقد قلبه.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

فانظر "الذين نافقوا" كلام دقيق.

دلالة الآية على أن النفاق غير متمكن منهم وأمرهم بالقتال أو الإنفاق

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167]

يبقى هنا أفادت أن هذا نفاق ليس متمكنًا منهم، وأنه يجوز لأحدهم أن يتوب وأن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167]

أي اشتركوا، إما بالنفس وإما بالمال؛ لأن الحرب تحتاج إلى مال، والحرب تحتاج إلى رجال تحارب. فإما أن تأتي بنفسك وتقاتل في سبيل الله، أو تدفع [مالًا تجهّز به الجيش].

تجهيز عثمان بن عفان لجيش العسرة وشهادة النبي له بالجنة

حتى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد جهّز جيش العسرة، فقال رسول الله ﷺ من شدة ما أنفق عثمان حينئذ:

قال رسول الله ﷺ: «ما ضرّ ابنَ عفان ما فعل بعد اليوم»

يعني ابن عفان لو عمل أي شيء بعد ذلك أيضًا في الجنة. فلم يفعل [عثمان رضي الله عنه] إلا خيرًا.

انظر كيف أن هذا الكلام يجعل المرء لا يذهب إلى الفساد؛ ما دام الله قد أدخلني الجنة، من أدخلني الجنة؟ لا، اللهم إنك أدخلتني الجنة فينبغي أن أكون من أهل الجنة وأن أبدو كأهل الجنة.

عبادة عثمان بن عفان وتلقيبه بذي النورين لزواجه من ابنتي النبي

فصار [عثمان رضي الله عنه] يقوم الليل وصار يختم القرآن وصار يصوم في النهار، وبقي كذلك وقال:

«ألا أستحي من رجل قد استحيت منه الملائكة»

سيدنا رسول الله ﷺ يقول عن عثمان هكذا، وزوّجه ابنته [رقية] فماتت عنده، فزوّجه ابنته الثانية رقية وأم كلثوم، فماتت عنده. قال [النبي ﷺ]: والله لو كان عندي ثالثة لزوّجتكها يا عثمان.

فسُمّي بـذي النورين؛ ذو النورين، لماذا؟ لأنه ابنتان للنبي ﷺ، ابنتان من بنات النبي، فهذه نور وهذه نور وهو ذو النورين.

فتح باب التوبة والرجوع إلى الله ومطالبة المنافقين بالقتال أو الإنفاق

إذن هذا طريق السعادة، هذا يرسم لنا طريق السعادة.

﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167]

إذن قد فتح بذلك باب الرجوع والتوبة.

﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167]

ادفع بالتي هي أحسن، أنفقوا. قالوا:

﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ﴾ [آل عمران: 167]

حسبوها بعقولهم، قالوا: كيف تقاتلون؟ أنتم ذاهبون مع كل هذا الجيش العرمرم وتريدون أن تنتصروا وتريدون أن تفعلوا كذا وكذا، نحن نحسبها هكذا إذا ستكون فيها هزيمة بهذا الشكل. آه، لا! نحن نقاتل من أجل القضية [قضية الإسلام].

نزول الرماة من الجبل في غزوة أحد وانقلاب نتيجة المعركة على المسلمين

ولذلك عندما ذهبوا [المسلمون إلى غزوة أحد]، ما رأيك أن المسلمين انتصروا في أول المعركة وانهزم المشركون وبدأ بعضهم بالانسحاب والهرب.

فلما نزل الرماة من التلة أو الجبل الذي قال سيدنا رسول الله ﷺ للرماة: قفوا هنا، نزل الرماة من أجل الغنيمة ولأن المعركة انتهت والجيوش ذهبت، فالتفّ المشركون وضربوا المسلمين من الخلف.

مع أن سيدنا رسول الله ﷺ قال لهم: حتى لو رأيتم المعركة انتهت اثبتوا، حتى لو رأيتم الغنائم أمامكم سنحجز لكم الغنائم لا تخافوا. ففوجئوا بالهزيمة الشديدة والمسلمون هُزموا، انتهى الأمر.

خطأ حسابات المنافقين وقربهم من الكفر مع بقاء باب التوبة مفتوحًا لهم

إذن الكلام [الذي قاله المنافقون] حساباتهم هذه كانت خاطئة. الجماعة الذين وصفهم الله بأنهم "الذين نافقوا":

﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ﴾ [آل عمران: 167]

لكن نحن بالحساب هكذا لا نرى أننا نقدر على اتباعهم.

﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ﴾ [آل عمران: 167]

الله! هم يكونوا أيضًا بين الكفر والإيمان؟ أي نعم، وهذا الذي يؤكد كلمة "الذين نافقوا"؛ لأنهم لو كانوا كفارًا وقلوبهم كافرة لما قال هكذا. لا، بل يقول لهم: أنتم ارتكبتم خطأً عظيمًا فظيعًا؛ لأنكم بهذا الشكل اقتربتم، منكم اقتربتم من أن تكفروا، واقتربتم من أن تكفروا يعني ماذا؟ يعني أنهم لم يكفروا.

ختام الدرس بالدعاء وبيان أن المنافقين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم

﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167]

وأمرهم [الله سبحانه وتعالى] بالتوبة والرجوع.

فاللهم يا ربنا نوّر بصائرنا واجعلنا نعمل لوجهك الكريم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.