سورة آل عمران | حـ 526 | 171-172 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 526 | 171-172 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يتحدث الله في سورة آل عمران عن الشهداء الذين ينظرون إلينا من علو، يستبشرون بنعمة من الله وفضله.
  • النعمة هي الأساس والفضل هو الزيادة، فالشهداء لهم الجنة وزيادة عليها هي النظر إلى وجه الله الكريم.
  • وعد الله المؤمنين بألا يضيع أجرهم رغم أن كل ما يقدمه العبد لا يوازي نعم الله عليه.
  • نعم الله لا تحصى كالبصر والسمع والعافية، بينما العبادات محدودة كالصلاة سبع عشرة دقيقة في اليوم.
  • من فضل الله أنه يعطي أجراً على كل تحميد وشكر للنعم رغم عجز العبد عن الوفاء بحق النعم.
  • يذكر الله الذين استجابوا لله والرسول بعد غزوة أحد رغم جراحهم (القرح).
  • بينما كان المسلمون متعبين ومجروحين، أمرهم الرسول بمطاردة المشركين حتى حمراء الأسد.
  • دخل المشركون مكة فزعين، فكان النصر النهائي للمسلمين رغم تعبهم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء ومقدمة سورة آل عمران عن الشهداء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن أولئك الشهداء الذين سبقونا إلى الله، وهم ينظرون إلينا من عُلُوٍّ، أي من مكانٍ عالٍ. يعني ماذا يقولون؟ من عُلُوٍّ، كما قال امرؤ القيس: مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معًا، مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معًا، كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلُ، يعني من مكانٍ مرتفع.

فالشهداء ينظرون إلينا من عَلُ، من عَلُ، يعني عين لام هكذا، لكن معناها العلو والارتفاع.

استبشار الشهداء بنعمة الله وأرواحهم في حواصل طير أخضر بالجنة

قال [الله تعالى]:

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171]

فانظر كيف يطلبون البشرى، في أي شيء؟ في النعمة التي هم فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أرواح الشهداء تدخل الجنة مباشرة، فهي في حواصل طير أخضر يطوف بالجنة.

فيرزقه الله سبحانه وتعالى شربًا وأكلًا وراحة ونسيمًا ورائحة جميلة، فهو في نعمة من الله. وكذلك يحاول أن يستبشر، يطلب البشرى لنا ونحن لم نلحق به، يعني ينظر إلينا ويقول لنا: ليتكم تأتون من بعدي، فأنتم لو عرفتم ما فيها ما تمسكتم بالدنيا.

الفرق بين النعمة والفضل في القرآن الكريم ومعنى الزيادة

يستبشرون بنعمة من الله هم فيها وفضل، والفضل هو الزيادة. عندما يكون هناك شيء هكذا ثم تزيد، وهذه الزيادة سمّوها فضلًا.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من كان عنده فضل مال فليتصدق به على من لا فضل له»

فضل المال يعني ماذا؟ يعني مالًا زائدًا عن حاجته. المسألة ضيقة قليلًا، فمن لديه مال وفير يتصدق بالفائض، وهذا تعاون.

وهكذا يكون لهم الحسنى، نعمة من عند الله. أما الزيادة فهي فضل من عند الله.

إذن ما الفرق بين النعمة والفضل؟

النعمة هي الأساس، والفضل هو الزيادة.

الشهداء لهم الجنة وزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم

هؤلاء الشهداء الذين لهم عند ربنا، ماذا لهم؟ هي دخولهم الجنة، وهذا أمر. ولكن هل هذا هو النهاية؟ لا، بل هناك المزيد لهم، فضل زائد؛ الجنة وزائد عليها.

وما هذه الزيادة؟ انظروا إلى الزيادة: فهم لهم الحسنى وزيادة، وقد قيل إن الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

وهذه لذة تفوق الجنة نفسها. فما هي هذه الجنة؟ إنها الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. أما رؤية الله فلا تقل لي أنها توصف، فهذه شيء آخر، هذه زيادة، هذا فضل.

هل للعبد حق عند الله أم أن كل شيء فضل ونعمة منه سبحانه

﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171]

طيب، هل كان من الممكن أن يضيع الله أجر المؤمنين حتى نقرر هكذا: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين؟

هو أنت لك حق عند ربنا أصلًا! هل أنت لك شيء عند ربنا أصلًا؟ ستقول له: لقد صليت لك، فيقول لك: لقد أعطيتك عينين. وتقول له: لقد زكيت لك، فيقول لك: أنا الذي أعطيتك هذا المال، فالمال كله ملكي.

وتقول له: لقد صمت لك، فيقول لك: أنا الذي رزقتك، كان من الممكن ألا أعطيك، كان من الممكن أن أجعلك لا تجد الطعام من الصباح إلى المغرب. من الذي وضع الطعام أمامك؟

فلن ننجح في أن نفعل معه شيئًا.

كل حمد لله يستدعي حمداً آخر والعبد محاط بنعم الله من كل جانب

تقول له: حسنًا، أنا حمدتك وقلت لك الحمد لله، يقول لك: من الذي وفقك [لقول ذلك]؟ لأن ربنا [هو الذي وفقك]، فكان لازمًا أن تقول له: يا رب، الحمد لله أنك وفقتني أن أقول لك الحمد لله.

طيب، وبعد ذلك؟ هذا لن ننتهي منه. قال لك: لن تنتهي، ولذلك أنت محاط هكذا بنعمة الله من فوق إلى تحت.

ولذلك يقول لك ماذا؟ الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يوافي يعني بقدر النعم التي له، فهذه نعمة الله لا تُحصى؛ إذن يستحق حمدًا لا يُحصى. إنني سأعجز، بل قد عجزت فعلًا عن أن أحمد ربنا حمدًا يوافي نعمته ويكافئ مزيده.

مزيد ماذا؟ مزيد هذه النعم ومزيد هذا الحمد، كل حمد يستدعي حمدًا آخر.

الله لا يضيع أجر المؤمنين رغم أن نعمه تفوق طاعاتهم جميعاً

فعندما تأتي وتقول له: إذن أنا ليس لي أجر عندك؛ لأن كل النعم التي أعطيتني إياها في الدنيا تساوي كل الطاعات التي أؤديها. وبعد ذلك هذه النعم مثل نعمة البصر ونعمة السمع ونعم أخرى مستمرة، لكننا نصلي ماذا؟ خمس مرات بالكاد، يعني حوالي سبع عشرة ركعة، سبع عشرة دقيقة في اليوم، في الأربع والعشرين ساعة.

وأربعٍ وعشرين ساعة، لكن هذه أربعٌ وعشرون ساعة، البصر معك، السمع معك. فلا يمكن إذن أن نكون بلا أجر عند الله، فيطمئننا الله، لا وأكثر من ذلك:

﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171]

ياه، أهكذا هو! لا يضيع أجر المؤمنين.

كل حمد وطاعة يؤديها المؤمن يثيبه الله عليها أجراً عظيماً

والصلاة التي صليتها هذه، التي وفقك الله فيها، سيعطيك عليها أجرًا. والحمد لله الذي قلتها بعد أن أكلت، سيعطيك عليها أجرًا. والحمد لله الذي قلتها عندما ضاق عليك رزقك، سيعطيك عليها أجرًا. أو عندما أصابك بعض المرض، سيعطيك عليها أجرًا.

﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171]

تخيل إذن ما هذا الفضل؟ إنه فضل زائد، نعم فضل التي هي الزيادة وزائدة أيضًا؛ لأنها من الله الواسع الرحمن الرحيم.

استجابة الصحابة لله والرسول بعد هزيمة أحد رغم الجراح والتعب

أولئك هم المؤمنون، أولئك الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح الذي حدث في [غزوة] أُحد، حيث رجعوا مهزومين.

كيف يكون شكل المهزوم؟ إنه مكسور من الداخل، لا يعود فرحًا، مكسور من الداخل لا من الخارج فقط. أيضًا إذا حملت ذلك السيف القديم، فإن يدك ستتأرجح. كيف كانوا يضربون به إذن؟

وأيضًا لا مانع من أن يصيبني سهم هنا، أو ضربة سيف هناك، فيرجع الجرحى في دمائهم بعد تلقيهم ضربة سيئة. فنحن نسمي ذلك بماذا؟ القرح. نحن نسمي التهاب المعدة قرحة؛ لأنها تعني القرحة. هذه حالة سيئة ومؤلمة، فهم عائدون يا عيني من الداخل والخارج، أي أنهم متعبون جدًا.

أمر النبي الصحابة بملاحقة المشركين بعد أحد وتحقيق النصر النهائي

وبعد ذلك يريدون الراحة، وهناك شخص قال: نعم، انتظر حتى أرتاح ثم سأغادر. فقال له [النبي ﷺ]: ماذا تفعلون يا سيدنا رسول الله؟ ماذا تفعل أنت؟ قالوا: سنغادر الآن. فقال لهم: لا، وراءهم!

انظر إلى هذه القوة، وراءهم رغم تعرضكم للضرب! أحضروهم هؤلاء. نعم، إنه يربيهم على أن يصبحوا رجالًا، على أن يكونوا نبلاء فرسانًا نبلاء، لا أن يُضربوا ويبكوا. حسنًا، لا، اذهب وراءهم.

فأدركوا المشركين عند حمراء الأسد، ودخل المشركون فزعين مكة. فمن الذي انتصر في النهاية؟ المسلمون! لقد دخل المشركون مكة وهم يتلفتون وراءهم.

طاعة الصحابة المطلقة لرسول الله رغم الإرهاق والجراح في أحد

الذين استجابوا لله والرسول ما قالوا له: لا، الآن نحن متعبون، أليس كفاية أننا ضُربنا؟ لا [لم يقولوا ذلك].

وهذه [الآيات] تحتاج إلى وقفة، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.