سورة آل عمران | حـ 530 | 176-177 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 530 | 176-177 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يشرح النص الآية "ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" التي نزلت مواساةً للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يحزن على من لا يؤمنون.
  • كان النبي حريصاً على هداية الناس كمن يمسك بحجزهم وينقذهم من النار، فيتألم عندما يرى إصرارهم على الكفر.
  • المسارعة في الكفر تعني الإسراع إليه دون تفكير أو نقاش، وهي تدل على الغباوة والعناد.
  • الآية تطمئن النبي بأن الكافرين لن يضروا الله شيئاً، وأن أكثر أهل الأرض ليسوا مؤمنين.
  • تعبير "اشتروا الكفر بالإيمان" يوضح أنهم اختاروا الكفر وتركوا الإيمان، فالباء تدخل على المتروك.
  • هؤلاء الذين استبدلوا الأدنى بالأفضل عرض عليهم الإيمان والكفر فاختاروا الكفر وتركوا الإيمان.
  • يؤكد النص أن من يسارع في الكفر ويستبدله بالإيمان له عذاب أليم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ [آل عمران: 176]

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا قلبه على قلب أمته وعلى أحوال أمته، فكان يحزن عندما يرى بعض الناس لا يؤمنون خوفًا عليهم.

تصوير النبي ﷺ لحاله وهو يمنع أمته من النار بالأخذ بحجزهم

وكان [رسول الله ﷺ] يصور الحال بأنه يأخذ بحُجَزهم عن النار، يعني كأنه يحتضنك فيك هكذا هو ويمسكك يبعدك عن النار.

والحُجْز هذا الذي هو المكان الذي نلف فيه في الإحرام، فالرداء الإزار يأتي هنا. انظر هذا الحُجْز هذا، انظر عندما يمسكك منه يشدك منه كمن يمسك بالحزام، أي يشدك من الحزام.

فعندما يشدك من الحزام فما معنى ذلك؟ أي يمنعك؛ لأن الحزام محيط بك، وعندما يشدك منه يمنعك.

حزن النبي ﷺ على المصرين على الكفر وتسلية الله لقلبه الشريف

فعندما تصور رسول الله ﷺ أنه يمنع هؤلاء الناس من النار، فعندما وجد أحدهم مصممًا على الذهاب إلى النار يحزن عليه. هذا الحزن كان في بعض الأحيان يعني يؤلم سيدنا رسول الله جدًا.

فربنا [سبحانه وتعالى] أنزل تسلية على قلبه من أجل ألا يتحول هذا الألم إلى عائق عن الدعوة، وقال له:

﴿وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ [آل عمران: 176]

معنى المسارعة في الكفر وصفة من يسرع إليه بلا تفكير ولا تأمل

انظر إلى الكلمة، ليست "الذين كفروا"، بل يسارعون في الكفر، أي يسرعون إلى الكفر.

الذي يسرع كيف يكون شكله؟ لا يوجد، لا يوجد تفكير. والذي يجري هذا ما شكله؟ هذا هارب، يأتي ليكلمه وجدته يجري ويجري إلى ماذا؟ إلى الكفر.

إذن هذا ليس آخذًا وعاطيًا، جالس يتناقش، يقول لي حجة وأقول له حجة. أبدًا، لا يفكر، هذا يسارع إلى الكفر. طيب اسمع! لا لن أسمع، كفانا سمعناكم كثيرًا. طيب افهم! لا لن أفهم. إن في هذه المسارعة غباوة قليلة، وفيها بلادة، وفيها عناد.

تسلية الله لنبيه بأن المسارعين في الكفر لن يضروا الله شيئًا

﴿وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا ٱللَّهَ شَيْـًٔا﴾ [آل عمران: 176]

القليل الذين ذهبوا إلى الكفر هؤلاء لن يفعلوا شيئًا.

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

يعني ما هو أكثر الناس ليسوا مؤمنين، ما يضر! يعني لن يضروا الله شيئًا.

إرادة الله ألا يجعل للكافرين حظًا في الآخرة وتسلية النبي بذلك

يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة يا أخي، فأنت حزين لماذا؟ هذا قدر، لا تحزن؛ لأنه عندما يأتون في الآخرة لن تكون هناك المناقشات والفلسفات والأفكار والمجادلات، لن تكون. سنذهب إلى مالك يوم الدين.

﴿لَن يَضُرُّوا ٱللَّهَ شَيْـًٔا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [آل عمران: 176]

خذ إذن الحقيقة:

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 176]

يقول لك هنا ولهم عذاب عظيم في مقابل والله ذو فضل عظيم، أي ذو فضل عظيم على المؤمنين، ولكن له عذاب عظيم على أولئك المعاندين الذين أفسدوا ولم يصلحوا.

معنى اشتروا الكفر بالإيمان وقاعدة دخول الباء على المتروك في البيع

ولذلك قال بعدها:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ [آل عمران: 177]

انظر إلى التعبير: اشتروا الكفر بالإيمان. يقول لك ما هذا؟ الباء تدخل على المتروك، هذه الباء تدخل على الشيء الذي تتركه.

اشتروا الكفر بالإيمان، إذن هم تركوا ماذا؟ تركوا الإيمان وأخذوا ماذا؟ أخذوا الكفر والعياذ بالله.

يعني عندما تقول: اشتريت الدولار بالجنيه، إذن فعلت ماذا؟ تركت الجنيه وأخذت الدولار. إذا اشتريت الجنيه بالدولار فقد تركت الدولار وأخذت قصاده [مقابله] الجنيه.

تطبيقات قاعدة الباء على المتروك في القرآن الكريم بأمثلة عملية

وإذا اشتريت الدنيا بالآخرة فقد تركت والعياذ بالله الآخرة وتمسكت بالدنيا، وإذا اشتريت الآخرة بالدنيا فقد أخذت الآخرة وتمسكت بها وتركت الدنيا.

إذن هذا الكلام يعني أن الباء تدخل على المتروك. انظر في الباء ماذا بعدها؟ الذي بعدها يكون أنك تركته، تركته. والذي قبل ذلك يكون أنك أخذته.

قال [الله تعالى]:

﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]

يكون سيتركون ماذا؟ الذي هو خير ويأخذون ماذا؟ الذي هو أدنى. إذن الباء تدخل على ماذا؟ على المتروك.

حال الذين اشتروا الكفر بالإيمان وعاقبتهم يوم القيامة وخاتمة الحلقة

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 177]

إذن يصف حال أناس عُرض عليهم هذا وذاك. أنت وأنت في البيع والشراء عندك سيارة عندك أموال، فإما أن تأخذ الأموال وتمضي، وإما أن تضع الأموال وتأخذ السيارة وتمضي، بيع وشراء هكذا.

فكان أمامهم الاثنان: هذا الإيمان وهذا الكفر، قالوا: لا، نحن نريد الكفر وتركوا الإيمان. لهم عذاب أليم، لن يضروا الله شيئًا.

كررها [الله تعالى] في الآيتين على أولئك الذين يسارعون وعلى أولئك الذين يستبدلون.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.