سورة آل عمران | حـ 532 | 178 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 532 | 178 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • النعم التي ينزلها الله على الإنسان ليست مقياساً للرضا الإلهي، فليس كل من أكرمه الله بنعمة يعني أنه قد رضي عنه.
  • الحياة الدنيا ابتلاء واختبار، والنعم تحمل معنى التشريف والتكليف معاً.
  • في مفهوم الإدارة، السلطة والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، فمن أعطي سلطة يحاسب على مسؤولية.
  • الرجل في البيت له قوامة هي سلطة ومسؤولية معاً للرعاية والعناية، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة.
  • قوله تعالى: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم" يوضح أن إمهال الله للكافرين ليس خيراً لهم.
  • "نملي" تعني نؤخر ونصبر ونمهل، وهذا الإملاء فيه زيادة للمال والسلطة والجاه.
  • المقياس الحقيقي للخير هو الإيمان والعمل الصالح، وليس كثرة النعم.
  • الكفران مع النعمة يزيد الإثم، وهذا معنى "ليزدادوا إثماً"، فيزداد عذابهم المهين.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية النهي عن حسبان الإملاء للكفار خيرًا لهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178]

النعم ليست مقياسًا لرضا الله بل الحياة ابتلاء واختبار

أي أن النعم التي ينزلها الله سبحانه وتعالى على ابن آدم، وهي لا تُعدّ ولا تُحصى، ليست مقياسًا للرضا وليست مقياسًا للحق. فليس كل من أكرمه الله سبحانه وتعالى بنعمة يعتقد أنه قد رضي الله عنه.

إنما الحياة الدنيا ابتلاء واختبار، والنعم التي أنعم الله علينا بها تكون تشريفًا لنا، فتكون في الوقت ذاته تكليفًا لنا.

فكرة التكليف والتشريف من قصة آدم إلى علم الإدارة

هذه فكرة التكليف والتشريف؛ آدم عليه السلام أسجد الله له الملائكة، أسجد لك الملائكة فيجب أن يكلفك على الفور. ولذلك بعد الطويل من الأمر يقول الإداريون ماذا في علم الإدارة؟

السلطة والمسؤولية وجهان لعملة واحدة؛ أعطيتني سلطة فيجب أن تكون هناك مسؤولية عليّا، ستسألني فيجب أن تعطيني سلطة.

المحاسبة على النعم من مال وعلم وسلطة وصحة

فأعطيتك مالًا، ما أعطيت للفقير، لماذا؟ أعطيتك علمًا، لماذا لم تنصح؟ أعطيتك سلطة فلم تعدل، لماذا؟ أعطيتك صحة فلم تُعِن، لماذا؟ وهكذا أبدًا.

فتبقى القوامة الخاصة بالرجل في البيت، نعم هذه سلطة ولكنها مسؤولية؛ الرعاية والعناية، عليه النفقة وعليه التربية وعليه أن يجتهد. قد يخطئ وقد يصيب، ولكن يجتهد لمصلحة أسرته دون عناد ودون تجبر ولا تكبر.

الاجتهاد في الرعاية وحديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

وإنما يقصد بذلك وجه الله؛ فإن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران.

قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»

فالمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والحديث طويل كما تعلمون.

معنى كلمة نملي في الآية وهي التأخير والإمهال والزيادة

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ﴾ [آل عمران: 178]

نُملي تعني ماذا؟ نُملي تعني: نؤخر، نصبر، ننتظر، نُنظر. نُملي لهم هذا المال، لا يريد [صاحبه] أن يتوقف.

هذا واحد يقول لك، يقولون له: عندك ثروة كم؟ قال لهم: متى؟ قبل السؤال أم بعد السؤال؟ ها! آه، لأن قبل أن تسألوه كانت قد زادت ملايين، مُمْلِنه تزيد كل لحظة. فأنتم تريدون الرقم قبل السؤال أم الرقم؟ ترى تريدونه بعد [السؤال]؟

النعمة ليست معيارًا للتقوى والمقياس هو الإيمان والعمل الصالح

هل يصبح هذا [الغني] تقيًّا وربنا راضٍ عنه؟ أبدًا. أم يصبح ربنا غاضبًا عليه؟ أبدًا. ربما يكون من أتقياء الدنيا هذا بالمناسبة.

أنت منتبه أنه ليس معيارًا ولا مقياسًا للحق؛ قد يكون صالحًا وقد يكون طالحًا. إنما المقياس هو الإيمان والعمل الصالح، هذا هو المقياس.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]

شرح أفعل التفضيل في كلمة خير ومعنى المشاركة مع الزيادة

مهين، هو [يقول:] النعمة خير، ولكن خير يقول لك عليها: هذه أفعل تفضيل. أفعل تفضيل يعني: هذا أحسن من هذا، أجمل من هذا، أقوى من هذا، أفعل تفضيل.

وأفعل التفضيل هذا في خير وشر يأتي على الصيغة العجيبة هذه: خير وليس "أخير"، ولكن يجب ألا تنسى في ذهنك أن كلمة "خير" معناها "أخير"، ولكن هي الصيغة العربية هكذا: خير وشر أيضًا هكذا، [وليس] "أشر".

يعني أن أفعل التفضيل يقتضي ماذا؟ قال: يقتضي المشاركة مع زيادة أحد الطرفين على الآخر.

أمثلة توضيحية على اقتضاء أفعل التفضيل للمشاركة والزيادة

أحسن: فهذا الرجل هو أحسن من هذا الرجل، فيكون هذا في حُسن وهذا في حُسن، ولكن في زيادة الحُسن هنا قليلًا على الحُسن الذي هنا. يكون الاثنان يشتركان: رقم واحد في الحُسن، ورقم اثنين أن واحدًا منهما زيادة قليلًا.

أحسن، أقوى: فيكون هذا قويًّا وهذا قويًّا. أصح: فيكون هذا صحيحًا وهذا صحيحًا، لكن هذا أزيد قليلًا في الصحة، وهكذا.

النعمة مع الكفران مقابل النعمة مع الشكران ونفي الخيرية

فالنعمة مع الكفران والنعمة مع الشكران، أهذه خير من هذه أم العكس؟ نعم [النعمة مع الشكران خير].

فهو هنا ينفي ماذا؟ ينفي العكس. هذا يقول له: أنت نعمتك هذه مع الكفران لا تظنها أنها أحسن من النعمة مع الشكران.

إذن هو نفى الخيرية عن النعمة أم نفى الزيادة مع الكفران؟ نفى الزيادة مع الكفران.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 178]

معنى الإملاء وزيادة النعم مع استمرار الكفران يزيد الإثم

فما هو إذن؟ فما الحاصل إذن؟ إنما نُملي لهم، والإملاء هذا معناه الزيادة؛ فأنا أزيد له ثروته، وأزيد له سلطته، وأزيد له علمه، وأزيد له جاهه.

﴿لِيَزْدَادُوٓا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178]

فيصبح مع كل ازدياد ومع استمرار الكفران دون الشكران، ومع استمرار الخروج عن التكليف والتمتع فقط بوهم التشريف، يزداد إثمًا.

التناسب البلاغي بين كلمة نملي وكلمة يزدادوا في الآية الكريمة

انظر هنا مناسبة كلمة "يزداد" مع كلمة "نُملي": ما هو الإملاء؟ فيها زيادة. وسأوضح لك المعنى الذي في الإملاء: ليزدادوا، فوالله ما من بشر يعرف أن يكتب هذا الكلام.

ولكن "نُملي لهم"، هذا بعد أن تفكر في الإملاء تجد فيها زيادة، وبعد ذلك خُذ بالكلمة التي بعدها وهي "ليزدادوا". ما هذا؟ ما هذا؟ هذا أمر عظيم جدًّا!

معنى العذاب المهين وختام الدرس بالدعاء والسلام

﴿لِيَزْدَادُوٓا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]

والعياذ بالله، مهين يعني أمر مهين تمامًا، يعني لا توجد كرامة. نسأل الله السلامة.

اللهم اصرف عنا السوء بما شئت وأنّى شئت في الدنيا والآخرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.