سورة آل عمران | حـ 535 | 180 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 535 | 180 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص معنى الآية الكريمة "ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة".
  • البخل سيتحول إلى طوق من حديد يحيط بالبخيل يوم القيامة، والطوق يعني الإحاطة التي لا مفر منها.
  • المعاني المجردة في الدنيا تتحول إلى أمور حسية يوم القيامة، كالبخل الذي يصير طوقاً، والموت الذي يظهر ككبش يذبح.
  • يوم القيامة يعادل ألف سنة من سني الدنيا، وقد يخفف الله إلى خمسمائة سنة بشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
  • الناس يطلبون الشفاعة من الأنبياء حتى يصلون إلى النبي محمد الذي يشفع للناس جميعاً.
  • المال الذي يُبخل به هو من فضل الله وليس من جهد الإنسان وحده، والدليل أن الناس يتفاوتون في الرزق رغم تساويهم في القدرات.
  • ينبغي للإنسان أن يعطي ويخدم الناس لأن كل ما يملكه سيتركه في الدنيا.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية البخل من سورة آل عمران وبيان خطورتها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ [آل عمران: 180]

كيف يكون ما آتانا الله من فضله من نعمة يكون شرًّا لنا في الدنيا؟ هل هو في الحقيقة في الدنيا والآخرة؟ لكن انظر إلى فظاعة هذا التصوير حتى تفرّ منه خوفًا.

معنى التطويق يوم القيامة وانعدام فرصة النجاة للبخيل

﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 180]

سيُطوَّقون يعني سنجعل طوقًا حولهم، والطوق فيه ماذا؟ إحاطة، ومعنى الإحاطة أنه لا يوجد مفرّ، لا يوجد مخرج، الأبواب كلها أُغلقت.

فالطوق دائرة، والدائرة مغلقة كلها وأنت في الوسط؛ فيكون المعنى الأول هو عدم وجود فرصة للنجاة، ما من فرصة للنجاة. سيُطوَّقونه، حسنًا، هذا يجعل الإنسان يختنق هكذا، أول شيء سيُطوَّقونه.

تحول المعاني إلى أمور حسية يوم القيامة كالموت والبخل

والأمر الثاني هو أنه في يوم القيامة ستتحول المعاني إلى أمور حسية، المعاني ستتحول إلى أمور حسية.

فالموت هذه حالة، أي ليس هناك شيء اسمه موت هكذا، يأتي [الموت] في صورة كبش فيُذبح بين الجنة والنار، بعد دخول أهل الجنة وأهل النار. وهذا معناه أن الموت قد انتهى تمامًا؛ إذن ففي خلود لا يوجد موت.

كلام سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] عندما يقول: «لو كان الفقر رجلًا لقتلته» حتى نتخلص من الفقر. فما هو الفقر؟ إنها حالة. ما هو البخل؟ إنه حالة.

تحول البخل إلى ستار حديدي يوم القيامة وخصائص ذلك اليوم

ما رأيك في أنه [البخل] يتحول إلى ستار حديدي؟ ما هذا الستار؟ إنه بخلك، حالة البخل التي بخلتَ بها. فما معنى هذا البخل؟ كيف يتحول المعنى [إلى شيء محسوس]؟ نعم، يوم القيامة له خصائص خاصة، حتى مكونات الجسم لها خصائص خاصة.

يوم القيامة مقداره ألف سنة، تصوّر ألف سنة من سنين الدنيا من أيامنا الآن! تخيّل أنك واقف على قدميك ألف سنة، ماذا يعني ذلك؟

مشقة الوقوف يوم القيامة وأساليب التعذيب في الدنيا مقارنة بعذاب الآخرة

إن هؤلاء عندما يأتون في التعذيب في المعتقلات — أبو غريب وجوانتانامو وما شابه — يوقفونه فقط ولا يفعلون به شيئًا آخر؛ فيكون ذلك عذابًا أليمًا.

إن الناس الذين عملهم فيه وقوف كثير يصيبهم شيء يسمى الدوالي، ونحن بالكاد نشتغل سنة أو سنتين، فكيف سنقف [ألف سنة]؟ ولذلك سنأتي نملّ، نحن قاعدون واقفون.

والذي يحاسب معه [أي في حسابه]، والذي قاعد في ظل الرحمن واقف أيضًا في ظل. يقول لك: يوم الموقف، موقف الكريم العظيم.

شفاعة الأنبياء يوم القيامة وانتهاؤها عند سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

فالناس ستملّ وتتضجر، فيذهبون إلى سيدنا آدم يقولون له: انظر لنا حلًّا. يقول لهم: والله ليس لي تدخّل؛ لأني أكلتُ من الشجرة.

قوم يذهبون إلى سيدنا نوح، قوم يذهبون إلى سيدنا إبراهيم، قوم يذهبون إلى سيدنا موسى فعيسى، وكل نبي يقول ماذا؟ يُرشد إلى الذي بعده: اذهبوا إلى فلان. يمكن حتى يرشدهم سيدنا عيسى إلى سيدنا محمد ﷺ.

فسيدنا محمد ﷺ يقول: أنا لها، فيذهب فيسجد تحت عرش الرحمن، ويُلهمه الله بمحامد كثيرة لم يُلهمها لأحد من قبله، فيسجد ما شاء الله أن يسجد.

استجابة الله لشفاعة النبي وتخفيف مدة الموقف رحمة بالعالمين

حتى يقول له الله: يا محمد ارفع واشفع تُشفَّع، وقُل تُسمَع، عليه الصلاة والسلام.

فأول شيء يقول: يا رب [خفّف عن الناس]، أي أن الأمر طال؛ فربنا يخفف الألف [سنة] إلى خمسمائة [سنة]. فتصيب رحمة النبي ﷺ العالمين من آدم إلى يوم الدين، كلهم يستفيدون من سيدنا محمد ﷺ.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

ليس لهذه الأمة ولا لهؤلاء الناس فحسب، بل إلى يوم القيامة، لا بل من آدم، الذي قبله والذي بعده يستفيدون منه صلى الله عليه وسلم.

عودة إلى تصوير عذاب البخيل بالتطويق ومشقة يوم القيامة

﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 180]

سيكون ستارًا حديديًّا حولك أيها البخيل، يخنقك هكذا. هذا للتوّ، الوقوف يعني فيه مشقة، فما بالك بالشمس ودرجة الحرارة؟ فما بالك بالحساب في يوم القيامة؟

يدك ستنطق، طيب نحن اللسان هو الذي ينطق! لا، حينئذ اليد التي ستنطق والجلد سينطق. الله إذن قوانين أخرى [تحكم يوم القيامة].

خصائص جسم الآخرة وقدرته على تحمل الوقوف خمسمائة سنة

جسم يتحمل أن يقف خمسمائة سنة؟ ما هو، ليس هناك شيء اسمه تقف خمسمائة سنة بهذا الجسم [جسم الدنيا]، لكن بجسم الآخرة نعم، تقف خمسمائة سنة وتقف ألف سنة.

إذن ربنا رحيم، نعم؛ إذن ستُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات.

﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 180]

ما أتاك من رزق هو من فضل الله لا من حولك وقوتك

[يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] يذكّرك أن ما أتاك من فضله ليس من حولك وقوتك ونشاطك وذكائك وفعلك وكذا إلى آخره، هذا من فضل الله.

والدليل على ذلك بسيط ومشاهَد ومحسوس: أن زميلك الذي كان كتفًا بكتف معك لم يعد كذلك، وزميلك الذي كان كتفًا بكتف والذي كان يتفوق عليك أولًا في الفصل، أنت سبقته في الحياة الدنيا.

فلماذا سبقك [هو في الدراسة وسبقته أنت في الحياة]؟ هذا من فضل الله وليس من ذكائك.

الرزق والتفاوت بين الناس دليل على أنه من فضل الله وحده

أكان يوجد أحد يضاهيك [في الذكاء]؟ أم من ميراثك عن أبيك؟ أما كان يوجد أحد أغنى منك؟ أم من أي شيء سوى فضل الله؟

قارن بينك وبين الفصل الذي كنت فيه، تجد أنك سبقت أناسًا وأن هناك أناسًا سبقوك؛ إذن فالعملية ليست بالتساوي وليست كذلك بحولك وقوتك.

﴿وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 180]

كما أن كل مجهود قمتَ به والذي ستقوم به أنت تاركه؛ لأن الكفن لا يحتوي على جيوب.

الحث على أداء الواجبات وخدمة الناس ابتغاء وجه الله والخاتمة

وعندما يكون الأمر كذلك، فلِمَ لا تقوم بأداء ما عليك من واجبات؟ أحبب الناس، أعطِ؛ فالحب عطاء، قم بخدمة الناس هكذا؛ فيُلقي الله محبتك في قلوب الناس.

وافعل ذلك من أجله هو [سبحانه وتعالى]، ليس من أجل الدنيا؛ فلا تنتظر أحدًا يشكرك، ولا تنتظر أحدًا يعطيك، أو تمُنّ عليه.

﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180]

فاللهم يا ربنا اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفّقنا إلى ما تحب وترضى، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.