سورة آل عمران | حـ 539 | 183 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آية آل عمران عن الذين يشترطون معجزات مادية للإيمان وهي عقلية موجودة إلى يوم الدين.
- •القرآن كتاب هداية مستمر وليس محصوراً في زمن نزوله.
- •يستنكر النص على من لا يؤمن إلا بما يرى بحواسه، مع أن كل شيء في الكون يدل على وجود الله.
- •حتى الأشياء غير المرئية كالكهرباء والموجات يؤمن بها الناس لآثارها، فكيف ينكرون الله مع ظهور آثاره؟
- •استجابة الله للدعاء دليل على وجوده سبحانه.
- •السبب الحقيقي للإنكار ليس العقل بل الهروب من التكاليف والأوامر الإلهية.
- •حتى المعجزات الحسية مثل القربان الذي تأكله النار لم تقنع المنكرين.
- •المنكرون قتلوا الرسل رغم الآيات والمعجزات التي جاءوا بها.
- •أصل المشكلة هو عدم محبة الله بسبب كراهية الأوامر والنواهي التي تحد من الشهوات.
تلاوة آية آل عمران عن اشتراط بني إسرائيل القربان للإيمان بالرسل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]
القرآن كتاب هداية يكشف عقليات بشرية موجودة إلى يوم الدين
هنا يتكلم ربنا سبحانه وتعالى عن عقلية أخرى موجودة في البشر وإلى يومنا هذا. القرآن هذا كتاب هداية إلى يوم الدين؛ لا تحصروه في العصر الذي نزل فيه، هذا كتاب ربنا جعله هدىً للمتقين، فيجب عليك وأنت تقرأه أن تنتبه لذلك.
حسنًا، هؤلاء الناس [الذين يشترطون الآيات الحسية] ذهبوا، لَم تَذْهَب؟ هؤلاء موجودون وسيظلون موجودين إلى يوم الدين. كيف تفكّر عقولهم؟ [تقول لأحدهم:] اعبد الله، يقول لك: أين هو؟
الرد على من يشترط الرؤية الحسية للإيمان بالله تعالى
ماذا يعني أين هو؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد يا أخي، انظر إلى كل ما حولك تراه يدعوك إلى الإيمان.
قال [هذا المنكر]: لا، أصلًا أنا لا أؤمن إلا بما أرى، إلا ما كان تحت حواسي موجودًا. حسنًا، وغير ذلك؟ قد وقد [يعني: قد يكون وقد لا يكون]، يعني أنت لا ترى الجن فهم غير موجودين؟ حسنًا، أنت لا ترى الكهرباء أيضًا!
مثال الكهرباء والموجات في الرد على منكري الغيب بحجة الحواس
قال: لا، أنا لم أكن مؤمنًا بها [بالكهرباء] إلى أن جاء إديسون وصنع المصباح، فعرفت أن في [الكون] كهرباء. وكذلك الموجات الخاصة بالرادار، والموجات الخاصة بالراديو، والموجات الخاصة بالتلفزيون، والموجات الخاصة بالإنترنت.
قال: عندما صنعنا الشاشة ورأينا التلفزيون بأعيننا صدّقنا، لكن بخلاف ذلك، مَن الذي أخبرك أن هناك أمواجًا وأن هناك أصواتًا؟ الله! يعني أنت لا تؤمن إلا بما ترى أو بما يكون مرئيًا تحت إدراكك وشعورك.
دلائل الخلق المستمر في الكون تثبت وجود الله سبحانه وتعالى
يجب عليك يا أخي أن تؤمن بالله، وما عليك إلا أن تجعله هو نفسه يقر بالإيمان بالله؛ لأنك ترى ما حولك من الخلق المتتالي ومن العدم.
ففي مستنقعات الأمازون في أمريكا الجنوبية، رصدوا عشرات الآلاف من الأميبا وحيدة الخلية، تنشأ عند الفجر وتذوب عند المغرب، ولا أحد يعرف عنها ولا شيء، يفعل [الله] هكذا وهكذا.
والله كل يوم هو في شأن، ما زال سبحانه وتعالى خالقًا خلقًا مستمرًا. ما هو [إلا أن] الخلق أمامك ومستمر، فكيف تنكر وجوده سبحانه وتعالى؟
الإيمان بالله من خلال استجابة الدعاء كما آمنوا بالكهرباء بالمصباح
تأمل، أنت تقول آمنا بالكهرباء لما رأينا المصباح، حسنًا ما رأيك أننا آمنا بالله من كثرة الدعاء الذي دعوناه؟ ندعو يا أخي والله يستجيب، قوم مسرورين، نحن في غاية السرور.
هكذا جرب أنت وادعُ الله، ستجد أن الله يستجيب بأمور غريبة عجيبة ليس عليها الترتيب المعروف. فمن الذي يستجيب لهؤلاء الخلق جميعًا؟ إنه الله.
إذن هو الله، وإن كان لا تدركه الأبصار، إلا أنه له في كل شيء آية تدعو للإيمان بها، مثل الذي تقوله في الحس أيضًا.
السبب الحقيقي لإنكار الله هو كراهية التكليف والأوامر والنواهي
لكنك أنت مُغَبَّش عليك؛ أنت لا تريد الله، أنت تكرهه. أتعلم لماذا؟ لأجل التكليف: افعل ولا تفعل.
فهو يقول لك: لا تزنِ، لا تسرق، لا تقتل، لا تكذب، لا تغتب، لا تنمّ، لا تغتصب أرض زميلك، لا تشهد شهادة الزور، لا تَعُقّ والديك، وها قد ضقت ذرعًا.
إذن المسألة مسألة فِسْق، فلماذا لا يريد ذلك [الإيمان]؟ هو لا يريد تنفيذ هذه الأوامر كلها. هذه خمس أو ست أو عشر أوامر فقط، وبقية حياتك تسير بشكلٍ طبيعي.
حقيقة اشتراط القربان وقتل الأنبياء دليل على أن المسألة مسألة شهوات
﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ [آل عمران: 183]
أتشعر أنك رسول؟ نعم، لماذا؟ لأنني آمركم بما أمر به المرسلون، ولأنني سرت بالصلاح فيكم، ولأنني لا أطلب منكم أجرًا، ولأنني أنهاكم عن المنكر، ولأنني وهكذا [من صفات الرسل].
قالوا: لا، هذا الكلام لا ينفعنا. إذن ماذا تريدون؟ ماذا تريدون؟ أمرًا ماديًا؟ قال لهم: حسنًا، فما الآية [الحسية]؟ الآية الحسية جاءت لكم وما أنتم راضين، لماذا تؤمنون الآن بعد الآية الحسية؟
رد القرآن على المشترطين بأن الرسل السابقين جاؤوا بالقربان فقتلوهم
﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]
ورأيتم أمامكم القربان وأكلته النار أمامكم، هكذا حدث. فماذا بعد؟ أيضًا لم تؤمنوا! قلت له [للرسول]: أنت ساحر، وها أنت ستقول لي الآن أنك ساحر. فلماذا قتلتموهم وذهبت [عنهم]؟
قمتُ وقتلتموهم، ورأيتم إبراهيم [عليه السلام] وهو يدخل النار ويخرج من ناحيةٍ أخرى دون أن يصيبه شيء، جريتُ خلفه حتى هاجر من مكانه.
خلاصة المسألة أن إنكار الرسل سببه الشهوات لا طلب الدليل
﴿إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]
فالحكاية ليست هكذا [أنهم يطلبون دليلًا حقيقيًا]، بل الحكاية أنهم لا يُحبون الله. ولماذا لا يُحبون الله؟ لأنه [سبحانه] لا يريد [أي: هم لا يريدون] أن يقول لهم افعل ولا تفعل.
فالحكاية كلها حكاية شهوات.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
