سورة آل عمران | حـ 540 | 184 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 540 | 184 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الداعية إلى الله مطلوب منه التبليغ دون إكراه أو انتظار للنتيجة، فالهداية بيد الله وحده.
  • الدعوة منهج ثابت منذ آدم إلى خاتم المرسلين والدعاة من بعده، وقد ورد في سورة آل عمران: "فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير".
  • مهمة الداعية البيان والتبليغ وليس القهر أو الإكراه، فالإكراه في الدين مرفوض لأنه ينتج منافقين لا مؤمنين.
  • يجب على الداعية أن يكون قدوة حسنة بأفعاله قبل أقواله، وأن يقدم دعوته واضحة بينة.
  • الداعي الناجح يجمع بين الكلام الواضح والعمل الموافق له، وإلا أصبح سبباً في صد الناس عن الدين.
  • تميزت دعوة المرسلين بالبينات (وضوح الرسالة) والزبر (الصحف والكتابة) والكتاب المنير الذي يضيء الطريق إلى الله.
  • على من أراد أن يكون حلقة في سلسلة تبليغ الدين أن يتصف بهذه الصفات.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية تسلية النبي ﷺ عند تكذيب الدعاة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى لسيد الخلق أجمعين ولكل داعية بلسانه إلى يوم الدين:

﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]

واجب الداعية التبليغ عن الله دون انتظار النتيجة أو التدخل في القلوب

إذن يجب عليك أيها الداعية المؤمن أن تبلغ عن الله دون انتظار النتيجة؛

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وهنا فأنت لا تدخل طرفًا في الدعوة [من حيث إجبار الناس على الإيمان]، فإن الهادي هو الله:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

انتهيت من تبليغ الرسالة وأديت الأمانة، ليس لك أن تتدخل، لست أنت [المتحكم في قلوب] الناس. ومن هنا كان المبدأ العظيم:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

يبقى دورك هو دور البيان، دور المبلِّغ، وليس دور القاهر ولا دور الغاصب ولا المُكرِه.

الإكراه على الإيمان يصنع منافقين والمنافقون في الدرك الأسفل من النار

لأننا لم نُؤمَر أن نصنع من الناس منافقين. ما أنت لو أرغمت الذي أمامك على الإيمان فسيقول لك: حسنًا أنا آمنت، وقلبه غير مؤمن، فيصبح منافقًا.

وأنت تقول:

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

فكيف وهو لا يصلح [أن يكون مؤمنًا بالإكراه]؟ نحن لا ننتج منافقين، بل ننتج مؤمنين. ومن هنا فقد تركنا الناس؛ من أراد أن يدخل الإيمان بقلبه مع ربه فليكن، ومن لم يُرِد فأمره إلى الله.

دور الداعية يقتصر على التعليم والبلاغ دون التحسر المؤدي إلى الإكراه

لأنني لست أنا الذي أخلق الهداية في قلبه، وإنما الذي يخلق الهداية في قلبه هو الله. يبقى ما عليَّ إلا التعليم والبلاغ، وما لي أن أتدخل بعد ذلك.

وأُمنع من أن أتحسر وأحزن؛ الحزن والحسرة التي تدفعني إلى التدخل في القلوب والتدخل في الإرادات والقهر والإكراه ممنوع.

فيقول [الله سبحانه وتعالى] أي أن الله في كونه [يتصرف كما يشاء]، فلا تحزن ولا يؤدي بك هذا الحزن إلى الخروج عن المنهج الذي رسمه لك.

إذا كان هذا الخطاب لسيد الخلق فنحن أولى بالالتزام به

هذا الكلام إذا كان يُقال لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو سيد الكائنات، فما معناه؟ أنه يُقال لنا نحن أيضًا من باب أولى.

إذا كان هذا لسيد الكائنات قال له [الله]: لا يكن [منك حزن يخرجك عن المنهج]، يقول لي أنا: احذر ألا تكون هناك مقارنة بيننا وبين السيد الأعظم صلى الله عليه وسلم.

فهنا:

﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: 184]

هذه القصة مستمرة منذ آدم إليك يا خاتم المرسلين، ثم الدعاة من بعدك من أمتك إلى يوم الدين:

قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»

جاءوا بالبينات.

وظيفة الداعية أن يأتي بالبينات بوضوح الرسالة وتوافق القول مع العمل

ما هي وظيفة الرسول أو الداعية الذي يحل محل الرسول؟ إنك عندما تأتي لتدعو، تدعو بصورة لافتة للنظر. فلنفترض أنك دعوت بصورة غير لافتة للنظر أو بصورة خافتة.

ولنفترض أنك دعوت وخالف فعلك قولك:

﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]

فهل تبقى قدوة سيئة؟ قدوة سيئة! إذن أنت بلَّغت، إذن أنت جئت بالبيانات أم جئت بالغموض؟ لا بد أن تأتي بالبيانات، والبيانات معناها وضوح في الرسالة وتوافق في العمل.

خطورة مخالفة الداعية لأقواله بأفعاله وتشويه صورة الإسلام

أنا أذهب وأسافر إلى بلاد غير المسلمين وأسرقهم! والله ما ينبغي أن يكون هكذا. ضربت مثالًا أن المسلم لصٌّ ويشهد الزور ويكذب ويزوِّر في الدخل حتى يتهرب من الضرائب، والله وأُقصِّر في عملي وفي مواعيدي.

فبهذا الشكل يقولون لك: يبدو أن دينك هو الذي يأمرك بهذه الأعمال، نحن نكرهك! فأنا لم أعمل بعدُ بيانًا [واضحًا للإسلام]، أنا جعلتها خللًا [في صورة الدين].

سنة المرسلين في الدعوة بالبينات والاقتداء بهم في القول والعمل

جاءوا بالبينات، هذه سنة المرسلين. تريد أن تكون مثل المرسلين:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

aجعل فيه قدوة حسنة لهم ولك. تريد أن تقتدي بالمرسلين فيجب أن تأتي بالبينات؛ كلامك وعملك.

إن لم تأتِ بكلامك وعملك [متوافقين] فقد خلطت الدنيا ولم تتبع المرسلين. وعندما يكفرون [الناس بسبب سوء تبليغك] قد يكون لهم عذر عند الله؛ يأتون في يوم القيامة فيقولون: يا ربنا، الكلام الجميل هذا الخاص بالإسلام لم يبلغنا، نحن بلغتنا صورة أخرى تمامًا وشيء سيء.

مسؤولية الداعية عن تشويه صورة الإسلام وعذر الناس يوم القيامة

قومٌ يصبح لهم عذر [يوم القيامة]. ومن سبَّب العذر هذا؟ الداعية الذي خلط الدنيا بأقواله الغامضة أو أفعاله المخالفة.

فتصبح الآية هذه لنا نحن [معشر الدعاة]:

﴿جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [آل عمران: 184]

وبعد ذلك قال: والزُّبُر، يعني الصحف. وهنا إشارة إلى أهمية الكتابة، أهمية المعرفة عن طريق الصحف، ليس الجرائد، بل الصحف التي تحتوي على البيانات، الصحف التي تحتوي على الصدق، الصحف التي تحتوي على الأمور متسلسلة واضحة بيِّنة.

أهمية تدوين العلم وتسجيله ليبقى للأجيال القادمة والكتاب المنير

حسنًا، وهذه ماذا تفعل؟ إنها في الأصل باقية لأولادنا فيقرؤونها. إذن الفائدة الخاصة بها عن البيانات قد ذهبت مقيَّدة؛ البيانات من أجل أن تتجاوز [الزمان والمكان]، لكن الذي تسمعونه [والذي يسمعه] الذي بعدنا أيضًا عندما سجَّلناه.

والكتاب المنير، وسمَّاه منيرًا لأنه يُضيء الطريق إلى الله. إذن: وضوح، شفافية، عمل صالح، وكلام بيِّن يدي [هذا هو] الذي جاء به المرسلون.

إذا أحببتم أن تصلوا وتكونوا أنتم حلقة من حلقات تبليغ هذا الدين، فلا بد أن تتصفوا بهذه الصفات.

فاللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.