سورة آل عمران | حـ 544 | 186 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن لم ينزل ليُتلى دون تدبر معانيه، بل ليتحول إلى منهج حياة، والمسلمون ابتعدوا عن هذا المفهوم واكتفوا بقراءته دون تطبيق.
- •أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تشمل كل الناس منذ آدم إلى يوم القيامة، وليس فيها تمييز عنصري أو طبقي.
- •العلاقة مع غير المسلمين تقوم على الحب والعطاء والقدوة الحسنة والصبر على الأذى.
- •يأمرنا الله في سورة آل عمران بالصبر والتقوى في التعامل مع الخلق، حيث يقول: "ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا".
- •الصبر يكون بعدم مقابلة الإساءة بمثلها، والتقوى تتمثل في الإحسان للمسيء.
- •قوله تعالى "فإن ذلك من عزم الأمور" يعني أن الله يعين من يشرع في الصبر والتقوى ويرى أثره في الدنيا.
- •التسامح والإحسان سبيل لحل النزاعات وتغيير المواقف العدائية إلى مودة.
سورة آل عمران تضع برنامج التعامل مع الخلق الذي غاب عن حياتنا
مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران نسمع قول الله سبحانه وتعالى وهو يضع لنا برنامجنا في التعامل مع الخلق، فنراه شيئًا قد يكون قد غاب عن حياتنا وعن مفاهيمنا، بترتيب آخر قد نكون قد أنشأناه من عقولنا، أو من فهمنا الخاطئ لبعض النصوص الشرعية المرعية.
أو لأننا قد ابتعدنا عن أن نعيش سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أننا قد ابتعدنا عن أن نطلب الهداية من كتاب الله، وأن نقرأه وكأنه قد أُنزل إلينا، وأن نتفكر بعقولنا كيف نحوّل هذا القرآن إلى حياة نعيشها كل يوم.
مصيبة التعامل مع القرآن في رسمه واسمه دون تدبر معانيه
تركنا كل هذا [التدبر والعمل بالقرآن] وبدأنا نتعامل مع القرآن في رسمه وفي اسمه، وهذه مصيبة كبرى؛ فما نزل القرآن من أجل أن يُتلى بصوت دون أن تُتدبَّر معانيه.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
فربنا أمرنا بالتدبر والتفكر. يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]
أمة النبي تشمل كل الناس بلا تمييز عنصري أو طبقي
تكلمنا عن أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم هي كل الناس، كل الناس. هذا ليس كل الناس فحسب، بل كل الناس منذ أن خلق الله آدم. وهذا شيء لا يفهمه أحد، ويقولون لنا: أمة تعني ماذا؟ أنتم تقولون أمة تعني ماذا؟ أمة يعني كل الناس.
يكون نحن ليس لدينا تمييز عنصري؛ لا نفرق بين الأبيض والأسود، ولا نفرق بين الغني والفقير تمييز طبقي، ولا نفرق بين الرجل والمرأة في التكليف، ولا نفرق ما بين الحاكم والمحكوم.
الإسلام لا يعطي الحاكم حقًا إلهيًا كما كان فرعون يدّعي
ونعطي الحاكم حقًا إلهيًا نقول هذا ظل الله في الأرض؟ لا أبدًا، ليس لدينا هذا كله. كل الناس أفقه منك يا عمر! هذا من هو؟ سيدنا عمر الخليفة الراشد يقول: «كل الناس أفقه منك يا عمر» عندما ردّته المرأة، والأمر ما هو على الدليل.
والرجل يقوم ويقول: والله لو خالفت لقوّمناك بهذا، بالسيف! فيقول له: حاضر. ليس عندنا أن الحاكم محلول فيه هكذا شيء من عند الله مثل فرعون؛ هكذا كان يقول:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
وكان الكاهن يخرج ويقول لهم: هذا ربنا، مندوب ربنا، يعني يا ربنا يا مندوب ربنا على الأقل.
خلفاء الإسلام كانوا يصلون بلا حراسة ومعنى الأمة من آدم إلى يوم الدين
ليس عندنا هكذا، عندنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يصلون، يصلون من غير حراسة، فقُتل عمر وعثمان وعلي، قتلتهم الأمة.
معناها [أي أمة النبي ﷺ] من لدن آدم إلى يوم الدين. حسنًا، فهمنا الذين بعد سيدنا محمد أمته لأنه يعرض الدعوة عليهم، حسنًا والذين قبله؟ قال لك: الذين قبله سيستفيدون منه في يوم القيامة بالشفاعة الكبرى.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
أساس العلاقة مع غير المسلمين هو الحب والعطاء والقدوة الحسنة
إذن لديّ مليار مسلم وقليل، وخمسة مليارات ليسوا مسلمين، لكن جميعهم [أمة النبي ﷺ]. متى يجب أن أدعوهم؟ خمسة مليارات!
الأساس الذي للعلاقة بيني وبينه [غير المسلم] ما هو؟ الحب، العطاء، القدوة الحسنة.
حسنًا، هذا يشتمني، فيكون الصبر. والصبر معناه ما أن أنا لا أشتمه [فقط]، يتعدى قليلًا هكذا [إلى الإحسان].
موقف النبي من إيذاء اليهود وأهمية الصبر والتقوى معًا
فكانوا يأتون يقولون: «السام عليك يا محمد»، السام عليك [أي الموت عليك]. فالسيدة عائشة تغضب، فيقول لها [النبي ﷺ]: إذن ها، وعليكم.
طيب ماذا سنفعل؟ يلعبون بالسلام عليكم، بدلًا من أن يقولوا السلام عليكم — الكلمة الحسنة الطيبة التي بينك وبين الخلق — السلام عليكم، قوم يقولون: السام عليك، الهلاك عليك.
طيب، فصبرٌ جميل، صبر. قال [الله تعالى]: لا، كما أنت تتقي، يبقى الصبر هذا سلبي والتقوى هذه إيجابية.
﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 186]
كيف سنتقي؟ فأعطِهم إذن، وأحبّهم، وكن قدوة حسنة.
الإحسان إلى الجار المؤذي وأثر السمعة الحسنة على صورة المسلمين
جارك الذي يؤذيك، هذا هو يحتاج إلى مساعدة وهو لكي يُنقل إلى المستشفى، خذه في سيارتك واذهب إلى المستشفى. هل سيكرهك أم سيتغير؟
لا، مات ولا أسلم ولا شيء. حسنًا، سمعت كلامك. كيف يعني؟ أولادك وأولاده ماذا سيقولون عنك؟ رجل بطّال! وبطالة! هؤلاء الناس طيبون.
وإذا انتقلوا إلى مكان آخر، فما هي سمعتهم؟ هؤلاء الناس أشرار، يذبحون الخلق، لديهم عنف ضد الطفولة وضد المرأة وضد البيئة وضد حقوق الإنسان، أم أن سمعتهم أنهم يُوضعون على الجرح فيبرد؟
معنى عزم الأمور وأن الله يعين من شرع في الصبر والتقوى
انتبه، كيف اصبر على الأذى وكذلك اتقِ الله. قال [قائل]: نعم، ولكن يا ربنا هذا أمر صعب جدًا. ماذا قال [الله تعالى]؟
﴿فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]
وكلمة عزم الأمور هذه ما معناها؟ معناها أنك إذا شرعت في ذلك [الصبر والتقوى] أعانك الله، معناها أنك إذا شرعت في ذلك رأيت أثره بعينيك في دنياك.
قصة القبيلتين المتقاتلتين في المغرب وكيف حلّ كوب الشاي المشكلة
كانوا في قبيلتين في المغرب يتقاتلان مع بعضهما البعض، ولما تقاتلا مع بعضهما البعض، واحد قابل آخر في الطريق فرفعه هكذا: اثبت مكانك! ارفعه!
فقال له: لماذا تفعل معي هكذا؟ فقال له: لأنك من القبيلة التي تعادينا. فقال له: أهذا الذي سيحل المسألة؟ فقال له: وإلا فكيف تُحل؟
فقال له: أن تدعوني إلى كوب شاي، أن تدعوني إلى غداء، فأدعوك، فيحدث أي ودّ. ولكن عندما ستأتي لتقاتلني وتقتلني فإنه لن يحدث شيء ولن تُحل المشكلة.
فدعوا إلى كوب من الشاي، فالثاني دعوا إلى ذلك، فاصطلحت القبيلتان.
من يقدم الخير يجده وقصة الطفل الذي حوّل عداوة زملائه إلى صداقة
ولن نطيل عليكم الكلام، فيعني هذا الكلام هو الذي يحكونه في القصص الشعبية، له معنى أن الذي يقدّم السبت يجد الأحد أمامه. انظر الكلام، انظر إلى الكلام.
فجأة الولد حدّثني وقال لي: هؤلاء ضربوني في المدرسة، زملائي ضربوني في المدرسة، فنحن سنتفق غدًا وسنضربهم. قلت له: لا، خذ هذه الورقة — ورقة فيها جدول الأيام، يكون فيها ورقة هكذا يسمونها التقويم — وأعطها له هدية، وبدلًا من أن تضربه تصبحوا أصدقاء.
ففعل هكذا، فجاء في هذا الفصل كله يحتاج إلى هذا التقويم.
دعوة لتعلم الحب وتطبيق القرآن في حياتنا اليومية
فنحن نريد يا إخواننا أن نتعلم كيف نحب. فانظروا ماذا يقول ربنا:
﴿فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]
أريدك وأنت تقرأ القرآن أن تعيشه، أن تجلس هكذا تفكر: كيف أفعلها؟ من عزم الأمور، كيف أصبر وكيف أتقي؟
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم وبركاته.
