سورة آل عمران | حـ 546 | 188 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 546 | 188 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يتحدث النص عن الآية من سورة آل عمران "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم".
  • عندما نزلت الآية، اشتد الأمر على الصحابة لأنهم فهموا أن الفرح بالنعم محرم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
  • أوضح النبي أن فهمهم للآية غير صحيح، مما يبين أن النص قد يُفهم خطأ حتى من كبار الصحابة.
  • المقصود بالفرح في الآية هو الكبر والطغيان، وليس الفرح الطبيعي بالنعم.
  • الآية تتحدث عن المتكبرين الذين ينسبون الفضل لأنفسهم ويحبون أن يُمدحوا بما لم يفعلوا.
  • كل النعم والإلهامات مصدرها الله تعالى، سواء للمؤمن أو غير المؤمن.
  • الذم في الآية لمن يقول "إنما أوتيته على علم" بدلاً من شكر الله على نعمه.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية النهي عن الفرح بالباطل من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188]

اشتداد الأمر على الصحابة حين ظنوا أن الفرح بالنعمة محرم

وهذه الآية لمّا نزلت اشتدّ الحال على الصحابة؛ فهموها أنّ من فرح بنعمة من نعم الله فإنه سوف يُحاسب يوم القيامة، وأنه يجب على المؤمن -هكذا فهموا- ألّا يفرح.

والفرح جِبِلّة [طبيعة بشرية]، فعندما تُعطيني شيئًا جميلًا، عندما تأتيني نعمة، عندما يُشفى مريضي، عندما ينجح ابني، أفرح وأكون سعيدًا، فهل هذا الفرح يُدخلني النار أم ماذا؟

يعني اضطربوا واشتدّ عليهم الحال، لا يفهمون. نحن هكذا لا نفهم: الفرح سيُدخلني [النار]؟ إذن يجب أن أبقى كئيبًا وحزينًا دائمًا! اشتدّ بهم الحال، هذا أمر شديد جدًّا.

رحمة الله في عدم تحريم الفرح وبيان أن الأمر ليس كما ظنوا

لكن في الواقع هذا ينبّهنا إلى أنّ الله رحيم؛ لأنّ الأمر ليس هكذا [ليس تحريمًا للفرح بالنعمة]. وكان يمكن أن يكون [الأمر أشدّ]، كان يقول: اقتلوا أنفسكم، ولكن لم يقل. يمكن أن يقول لنا: لا تفرحوا، وكانت ستصبح [الحياة] شديدة جدًّا.

ولكن لا، ذهبوا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا رسول الله، من منّا لا يفرح إذا أصابته نعمة؟ أي نفرح جميعًا.

فقال لهم [صلى الله عليه وسلم]: ليس بذلك المعنى الذي طرأ على أذهانكم، ليس هو هذا.

إمكانية فهم النص القرآني خطأ وأن الحجة في الكتاب والسنة

يُعلّمنا [هذا الموقف] أنه يمكن أن أفهم النصّ خطأً، فالنصّ بريء من فهمي أنا. من الذي فهموا النصّ خطأً؟ هؤلاء سادة الناس الصحابة، ليس مجتهدًا أو واحدًا هكذا -يعني عالمًا- هؤلاء هم الصحابة الكرام أهل اللغة، فهموا النصّ خطأً.

حسنًا، لا يحدث شيء؛ من الذي يقول النصّ الصحيح؟ المعصوم صلى الله عليه وسلم. فتبقى الحجة أين؟ في الكتاب والسنة.

الرد على الشبهات حول الإسلام وإثبات إعجاز القرآن الكريم

قوم يأتون الناس هكذا وهم يفعلون هكذا ويقولون: هي الشبهات حول الإسلام. نعم، خير. قال البيضاوي، والبيضاوي هو في ماذا [في التفسير]؟ وقال الرازي. نعم، هؤلاء يُثبتون إعجاز القرآن.

طيّب، القرآن قال ماذا؟ ما هو قال شيئًا! كانوا ذهبوا وقالوا: انظروا ماذا يقول القرآن. فلمّا لم يعرفوا ماذا يقول القرآن، ذهب وقال: قال البيضاوي في تفسير الآية. آه، فهمه هكذا!

فلماذا تتركونه يفهم هكذا؟ لأنه كان لدينا حرية، لم يكن لدينا أبدًا حجر فكري ولا محاكم تفتيش ولا "لا تجرؤ على التفكير".

أدب العلماء المسلمين في الاختلاف وعدم الإساءة للأنبياء والأديان

وإنما أيضًا ليس لدينا قلّة أدب وقلّة حياء. لم يكن لدينا علماء سبّوا الله قطّ، ولم يسبّوا السلف الصالح، ولم يعتدوا على الأديان ويزدروها، ولم يسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من نبيّ من الأنبياء.

أناس طيّبون هكذا، والكلام طيّب وجميل هكذا، إنما يفهم. نعم، افهم كما تريد حتى لو كان الفهم خاطئًا، ويأتي العلماء الآخرون ليُصحّحوا لك.

عجز المشككين عن الطعن في القرآن ولجوؤهم إلى أقوال المفسرين

فانظر، كلّ هذا يُثبت قوة هذا الكتاب [القرآن الكريم]. لا يستطيعون أن يأتوا بشيء ضدّه، فيذهبون ليقولوا: ماذا قال البيضاوي؟ وماذا قال الرازي؟ وماذا قال القرطبي؟

حسنًا، إنّ هذا يدلّ على عظمة هذا الكتاب وأنه ليس من وضع البشر.

المعنى الحقيقي للفرح في الآية وهو الكبر والكذب والطغيان

حسنًا، فما معنى الفرح هنا؟ معناه الكِبر المُفرِح، هنا معناه الكذب المُفرِح، هنا معناه الطغيان.

فلماذا سمّاه [الله] فرحًا؟ لأنّ الإنسان فَرِحٌ بما هو فيه [من الكبر والكذب والطغيان]، فسمّاه فرحًا. لماذا أنت متكبّر؟ لماذا طاغٍ؟ لماذا كذّاب؟ يقول لك: أنا لستُ كذلك، أنا فَرِح، أنا فَرِح بأنني كذلك، بأنني متكبّر وطاغٍ.

﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188]

فهو متكبّر في الأرض لأنّ ربّنا رزقه مالًا، ومتكبّر في الأرض لأنّ ربّنا رزقه علمًا.

العلم والإلهام الرباني نعمة من الله وليس من عند الإنسان

قال له [الله]: هذا العلم، يعني أتظنّ أنه من عندك؟ هذا ربّنا يفتح على العالِم. من هؤلاء [العلماء] يفتح [عليه] وما يفتح على عالِم آخر.

ولذلك تجد في ومضة [لحظة إلهام]، كذلك هي الومضة هذه، من أين تأتي هذه؟ إلهام ربّاني أرسله الله. والإلهام هذا يكون للمؤمن وغير المؤمن.

ولذلك الإمام الشعراني يقول: فإنّ ذلك ممّا ألهم الله به هؤلاء من أجل المعاش وكمال الارتياش -كمال الارتياش الذي هو الرفاهية-. يعني يسألونه عن الأشياء التي تكون في بلاد غير المسلمين، والمسلم ذهب إلى تلك البلاد ليتّبعها، فقال له: نعم، هذه من إلهام ربّنا، القوانين التي ألهمهم ربّنا بها. لماذا؟ من أجل المعاش وكمال الارتياش.

وجوب حمد الله على النعم وعدم نسبتها إلى النفس

فربّنا هو الذي ألهمك. كنتَ تقول: الحمد لله على هذا المال القليل، على هذا العلم، على هذه الصحة، على هذه السلطة، على كذا من أنواع النعم الكثيرة.

لكن لا، [هذا المتكبّر] يقول: الحمد لله؟ هذا يقول لك: إنما أوتيتُه على علم! لا، أنت لم تُؤتَه على علم؛ لأنك لم تفعله [بنفسك].

﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188]

فما معنى عذاب وعذاب آخر؟ نقولها في المرة القادمة إن شاء الله. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.