سورة آل عمران | حـ 549 | 190-191 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 549 | 190-191 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • صفات أولي الألباب في القرآن الكريم هي ذكر الله والتفكر في خلقه، وهم ممدوحون من الله تعالى.
  • الذكر هو القضية المحورية في طريق الله، ولا ينبغي أن يتوقف لسان المؤمن عن ذكر الله.
  • للذكر آثار عظيمة: غفران الذنوب، تنوير القلوب، تيسير الغيوب، والفلاح في الدنيا والآخرة.
  • يجب أن يكون الذكر على الدوام في كل الأحوال: قياماً وقعوداً وعلى الجنوب.
  • التفكر هو الطريق الثاني إلى الله، وهو حركة النفس في المعقولات والانتقال من المبادئ إلى المقاصد.
  • يكون التفكر في خلق السماوات والأرض بالتساؤل عن كيفية الخلق وأسبابه والعلاقات البينية.
  • العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة وفوق كل ذي علم عليم.
  • أزمة العالم الإسلامي هي أزمة ذكر وفكر معاً، إذ ينبغي إعادة الله إلى منظومة حياتنا.
  • بالذكر والفكر معاً تأتي المعونة الإلهية والفتوحات الربانية.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في صفات أولي الألباب في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يذكر ربنا سبحانه وتعالى صفات أولي الألباب فيقول:

﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 190]

فيسأل أحدنا نفسه: من أولو الألباب؟ ومتى يكون الإنسان منا يدخل في نطاق أولي الألباب؟ حتى يكون ممدوحًا من الله؛ لأن ربنا وهو يسوق الكلام تشعر هكذا وتحس أنه يمدحهم، «لآيات لأولي الألباب» كأنه يعظّمهم، فأنا أريد أن أكون منهم، فماذا أفعل إذن؟ من هؤلاء؟

وصف أولي الألباب بالذكر الدائم لله تعالى

فيقول [الله سبحانه وتعالى] وهو يصف [أولي الألباب]، لكنه يكلّف؛ يعني هو يصف ويشرح من هم أولو الألباب، لكنه يقول لك ماذا تفعل، كل شيء مرتبط بما تفعل، يجيبك على ماذا تفعل:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 191]

فتكون القضية المحورية في طريق الله هي الذكر. ولذلك يقول [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

هذا الذكر له أثر عظيم، قال تعالى:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

آثار الذكر من طمأنينة القلوب وغفران الذنوب وتنوير القلوب

إذن ربنا سيذكرنا، وربنا سبحانه وتعالى سيُفلحنا، وربنا سبحانه وتعالى سيُطمئن قلوبنا:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

وتستمر تسير في الذكر هكذا فتجد له آثارًا عظيمة: غفران الذنوب، وتنوير القلوب، وتيسير الغيوب.

فأنت عبد رباني إذن، كلما زدت في الذكر باللسان وبالقلب وبالفعل، كلما كنت في طريق الله تتقدم. أول شيء في طريق الله الذكر:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 191]

الذكر خفيف على اللسان ولا يعطل شيئًا من الجوارح

فقد عرفنا الذكر، نريد الآن أن نرى متى نذكر؟ هذا الذكر خفيف، لماذا؟ لأنه في الأصل يعمل به لسانك، ولسانك في فمك وليس في يديك ولا في عينيك ولا في رجليك، لسانك ليس في الأماكن هذه [التي تعمل بها].

فالذكر لا يعطّل شيئًا من جوارحك. طيب فمتى نذكر وهو خفيف؟

قال رسول الله ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»

﴿قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]

ما هذا؟ هذا على الدوام.

الذكر يكون في كل حال من قيام وقعود ونوم على الدوام

يبدو أنه على الدوام هكذا؛ لأن الإنسان إما أن يكون قائمًا، وإما أن يكون قاعدًا، وإما أن يكون نائمًا، وليست هناك حالة رابعة: القيام والقعود والنوم.

﴿قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]

يبقى إذن نستطيع أن نقول إن الذكر لله إنما يكون في كل حال. معنى الكلام هكذا: أول طريق إلى الله الذكر.

ثاني طريق إلى الله التفكر في خلق السماوات والأرض

طيب وثاني طريق إلى الله ما هو؟ سنظل نذكره فقط هكذا؟ قال: لا، الفكر.

دليلك ما هو؟ قال هو:

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191]

يعني يتذكرون ويتفكرون:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 191]

الذكر:

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191]

الفكر. هذا طريق ربنا: الذكر والفكر.

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]

تعريف التفكر بأنه حركة النفس في المعقولات والانتقال من المبادئ إلى المقاصد

ما هو الفكر هذا؟ قال لك: حركة النفس في المعقولات اسمها فكر. حركة النفس تعني ماذا؟ تعني عقلك يعمل.

طيب عقلي هنا بالداخل يعمل، كيف؟ الانتقال من المبادئ إلى المقاصد إلى المطالب، هذه هي الحركة. عقلي يعمل هكذا، يعني ماذا؟ يعني تنتقل من شيء إلى شيء.

حسنًا، وإذا لم تنتقل فلا تكون هناك حركة، وإذا لم تكن هناك حركة فلا يوجد فكر. إذن التفكير يجب علينا أن يعمل عقلنا. حسنًا، ولو أعطينا العقل إجازة ولم يعمل فلا يوجد تفكير، إذن نحن لسنا في طريق الله.

كيفية التفكر بالانتقال من المحسوس إلى المعقول وطرح الأسئلة

فكيف تفكر إذن؟ هيّا، من المحسوس إلى المعقول، حركة النفس في المعقولات. أي كيف؟ قال: اسأل يا أخي روحك: خلق السماوات والأرض متى؟ كيف؟ لماذا؟ إلى ما يؤول؟ ما العلاقات البينية بين السماء والأرض؟

وتظل تسأل هكذا، وهي أسئلة غير متناهية، وكل سؤال عندما تسأله ينفتح عليك أربعون سؤالًا، وكل سؤال من الأربعين ينفتح أربعين، وكل سؤال من الأربعين ينفتح مائة، وهكذا.

فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

من المحبرة إلى المقبرة، من المهد إلى اللحد، ولكن فكّر جيدًا.

أزمة العالم الإسلامي أزمة ذكر وفكر معًا لا فكر فقط

ما دام الأمر كبير هكذا فأنا لن أفكر! نعم لن تفكر، فإذا لم تكن في طريق الله فإن طريق الله أوله الذكر وثانيه الفكر.

ما الأزمة التي نمر بها في العالم الإسلامي؟ يقول لك: هذه أزمة فكر. أنا أقول لهم: لا، هذه أزمة ذكر وأزمة فكر. نحن لا نمر بأزمة فكر فقط، ولكن نحن نمر بأزمة ذكر وأزمة فكر.

نريد أن نذكر الله مرة أخرى ونضعه في منظومة حياتنا، ونريد عندما نضعه ألا نقتصر باللسان أو الجنان [القلب] حتى ولا الأركان [الجوارح]، بل نحن نريد أن نشغّل عقولنا.

المعونة الإلهية مرتبطة بالذكر والفكر معًا والدعاء بفتوح العارفين

وإذا شغّلنا عقولنا فسنتقدم؛ لأنه سيكون هناك عون [من الله]. ولكن ما دام لا يوجد فكر، وكذلك أنكى من هذا لا يوجد ذكر، فلا تكون معونة.

على ماذا إذن سيعينك؟ على ماذا؟ فكّر وهو [الله سبحانه وتعالى] يعينك وسيفتح عليك. فكان من دعائهم [أولي الألباب]: اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك.

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

نأخذها في اللقاء التالي إن شاء الله.

دعاء الختام بالمغفرة والتوفيق والاستيداع

يا ربنا افتح علينا فتوح العارفين بك، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتقبّلنا على ما نحن عليه من عمل، ووفّقنا إلى ما تحب وترضى.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.