سورة آل عمران | حـ 552 | 193-195 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 552 | 193-195 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يعلمنا الله في آواخر آل عمران أدعية متنوعة للمؤمنين، حيث يتكرر فيها لفظ "ربنا" خمس مرات، مُبتهلين إلى الله بخشوع.
  • يشير الدعاء إلى طلب النجاة من النار والمغفرة وتكفير السيئات والوفاة مع الأبرار.
  • ينبغي تحقيق التوازن في الدعاء بين طلب الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
  • يستجيب الله لعباده المؤمنين ولا يضيع عمل عامل منهم، ذكراً كان أو أنثى.
  • سيجزي الله المؤمنين على ما تحملوه من أذى ومشقة في الدنيا بالجنة الخالية من الأكدار.
  • نعيم الجنة لا تدركه العقول، فهي مشرقة بنور الله لا بنور الشمس.
  • أعظم نعيم الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم، وهي لذة روحية عظيمة.
  • الإيمان بالغيب من صفات المؤمنين، إيماناً بأن الله على كل شيء قدير.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

دعاء أولي الألباب في خواتيم سورة آل عمران وتعليم الله لعباده المناجاة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في آخر سورة آل عمران يُعلّمنا الله سبحانه وتعالى الدعاء، فيقول:

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

«ربنا» مرة أخرى:

﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]

«ربنا» مرة ثالثة:

﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا﴾ [آل عمران: 193]

«ربنا» والمرة الرابعة:

﴿فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]

«ربنا» والمرة الخامسة:

﴿وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]

التوازن بين الدنيا والآخرة في دعاء ربنا آتنا في الدنيا حسنة

نرى أن الآخرة ذُكرت أكثر من الدنيا تطمينًا لقلوبنا. هناك عَلَّمنا [الله] إذن:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

وأيضًا الآخرة أكثر [ذكرًا في الدعاء]؛ «ربنا آتنا في الدنيا» هذه واحدة: حسنة، «وفي الآخرة» التي للآخرة واحدة هي حسنة، «وقنا عذاب النار» وأيضًا في الآخرة، فتصبح اثنتين في الآخرة وواحدة في الدنيا.

قصة الشيخ الذي عاتب الناس على طلب الدنيا فقط دون الآخرة

كان لنا شيخ وكنا نذهب نقول له: ادعُ لنا يا سيدنا. حسنًا، أنا لديّ قضية في المحكمة غدًا ادعُ لي، أنا لديّ ابني في الامتحان ادعُ لي، أنا لديّ بضاعة ادعُ لي، أنا في أزمة في شيك بيني وبين عميلي ادعُ لي.

فقال [الشيخ]: يا إخواننا، ما أحدٌ يقول لي ادعُ لي أدخل الجنة! يعني كله:

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ ﴿وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]

الإنسان لا بد أن يجعل فيه توازنًا:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

فيكون معقولًا أن يكون دنيا ودين، لكن هذا [الذي يطلب] دنيا فقط.

استجابة الله لمن ناجاه بصدق وتعلق قلبه به سبحانه وتعالى

فهذا الحال يقول الله سبحانه وتعالى عنه وهو يُعلّمنا كيف نناجيه:

﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: 195]

لمّا تعلّق القلب به سبحانه وتعالى، لمّا أن ناجاه بهذه الصفة الكريمة استجاب الله له:

﴿أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]

﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]

وهذا يُلخّص الدنيا وما فيها؛ إن ربنا سيقبلك، وإن ربنا سيغفر لك.

الجزاء الأخروي على كل عمل في الدنيا ووصف الجنة الخالية من الأكدار

وإن ربنا سبحانه وتعالى سيؤتيك على كل شيء قد فعلته في الدنيا، وكل نَصَب ومجهود في الدنيا سيعطيك عليه أجرًا ومكانًا في الجنة.

وهذه الجنة خالية من الأكدار، بل ومن الليل والنهار:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

فواحد قال: يا الله، كيف يعني تكون مظلمة؟ من الذي قال لك تكون مظلمة! لن يوجد فيها شمسنا هذه، لكن فيها نور الرحمن. الله! ما هو [هذا الشخص] باله غير منتبه إطلاقًا:

﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69]

أنت منتبه من الغفلة! يقول لك الله:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

الرد على من يتوهم أن الجنة مظلمة وبيان أنها مشرقة بنور الرحمن

هذا هو مكان يسكن فيه [أهل الجنة]، هذا ما ليس فيه شمس فيكون ظلمة، وما ليس فيه زمهرير فيكون مثل الرطوبة هكذا، فيكون رطبًا ومظلمًا ويكون فيه حشرات أم لا شيء! هذا هو المكان هذا؟!

ويا عيني! أغلق الله قلبه وعقله عن أن يفهم عن الله مراده، وغاب عنه:

﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69]

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

هذا ما قال لك:

﴿لَهُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يونس: 26]

الحسنى التي هي الجنة، فما الزيادة؟ قال [العلماء]: النظر إلى وجهه الكريم، وجه الله [سبحانه وتعالى].

وصف نعيم الجنة الذي لا يدركه عقل وإشراقها بنور الرحمن لا بالشمس

هذا شيء ما [عظيم]! فالجنة هذه المخلوقة التي قال [النبي ﷺ] فيها:

«ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر»

أما ربنا:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]

شيء آخر؛ فإشراق الجنة ليس بشمس تحمي كذلك وتجعل الإنسان يتعرّق وما إلى ذلك، لا! هذا بنور ربنا.

وعندما تستنير بنور ربنا هذا فأنت كأنك تسبح في اللذة، لذة روحية تسبح فيها، أيّ بحار من اللذة تتنفّسها وتسبح فيها! تخيّل إذن ما هذا!

الإيمان بالغيب وقدرة الله المطلقة دليل على عظمة نعيم الجنة

شيء لو تجلس تتفكّر فيه تجده أنه وهو كل ما فكّرت فيه أيضًا الواقع أكبر منها [من تصوراتك]، تجدها أمرًا لا يصدّقه عقل.

ولذلك قال [الله تعالى]:

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

مؤمنون. قلت له: نعم. لماذا؟ حسنًا مؤمنون، قلت له: لصفة واحدة أن الله على كل شيء قدير:

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

حسنًا، ألم يُعطنا مثالًا؟ ها هي السماوات والأرض، ها هي «كن» كانت! البشر ها هم، والبشر هؤلاء كم هم في الأرض؟ ولا شيء! فنحن نمشي حتى آخر الشارع فنتعب، فنحن شيء أم لا شيء؟ فما بال الكرة الأرضية أليست شيئًا؟ فما بال السماء الدنيا أليست شيئًا؟ ثم بعد ذلك لا إله إلا الله، أنا مؤمن بالله ولذلك أؤمن بهذا [كله].

فرحة المؤمن بإيمانه وعمله الصالح والرد على من يريد سلبها منه

فيأتي ونحن في سعادتنا، فرحون بإيماننا، فرحون بأعمالنا الصالحة، فرحون بالصفاء، بالذكر، بالفكر، بالدعاء، بالخير.

يقول لك [أحدهم]: أنتم ستجعلون [الدين] أفيون الشعوب أم ماذا؟! المرء يريد أن يقول له: صُدَّ نفسك، صُدَّ نفسك! يعني أنت الآن، أنا فرحٌ بالإيمان، فرحٌ بالخير، فرحٌ، وأنت تريد أن تسرق الفرحة من قلبي!

فلماذا تسرقها؟ تريد أن [إذا] سرقتها تريدني أن آخذ ماذا مكانها؟ آخذ الهمّ والنزاع والخصام، وأنني لي حولٌ ولي قوة وأنا ما لي حولٌ وما لي قوة، والأوهام وهكذا؟! أبدًا!

فالحمد لله رب العالمين أن جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.