سورة آل عمران | حـ 554 | 198- 200 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص معنى قول الله تعالى: "لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار".
- •"لكن" في العربية للاستدراك، توضح الفرق بين مصير المؤمنين والكافرين، مما يثير المنافسة بين الناس.
- •المنافسة أمر فطري جعله الله في قلوب عباده، وتُستغل في التربية لحث الناس على التحسن.
- •ينبغي أن تكون المنافسة شريفة وفي الخير، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
- •القرآن منصف في الحكم على أهل الكتاب، فمنهم من يؤمن بالله ومنهم من لا يؤمن.
- •لا يمكن وصف القرآن بالعنصرية ضد أي ديانة، فاحترام جميع الأنبياء جزء لا يتجزأ من الإيمان.
- •المسلم الحق يرفض الخطأ وليس الشخص، ويميز بين الصحيح والقبيح.
- •ينتهي النص بالدعاء بأن يجعلنا الله من الصابرين المثابرين، وأن يجمعنا على الخير في الدنيا وتحت لواء النبي يوم القيامة.
افتتاح الدرس وتلاوة آية جزاء المتقين من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]
معنى لكن الاستدراكية والمقابلة بين مصير الكافرين والمؤمنين
«لكن» يسمونها في لغة العرب للاستدراك، يعني إذا كان حال من كنا نتحدث عنهم الآن من كفر وفساد في الأرض مأواهم جهنم، لكن المؤمنين مأواهم الجنة.
إذن فيها مقابلة، هذه المقابلة تثير في نفس الإنسان السوي المنافسة:
﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]
المنافسة أمر فطري جعله الله في قلوب العباد لتحفيز الهمة
المنافسة أمر فطري جعله الله سبحانه وتعالى في قلوب عباده، ولذلك فإننا إذا وصفنا أحدهم بالانحراف والشر فإنه قد لا يلتفت كثيرًا لنفسه ولا لأن يغيرها، وإنما عندما نقارن بينه وبين من بينه وبينهم منافسة فإن ما يحدث عنده همة.
ونحن نستغل هذا الأمر في التربية بين الأولاد في المدارس في المنافسة، ونضع لذلك درجات، ونرتبهم: هذا الأول وهذا الثاني وهذا العاشر وهذا العشرون، فيحدث بينهم تنافس؛ الثاني يريد أن يصبح الأول لأنه يحتاج إلى شيء بسيط هكذا ليصبح الأول، العاشر يريد أن يصبح الخامس مثلًا، وهكذا فيحدث تنافس.
التنافس في الخير فطرة إلهية والمنافسة ينبغي أن تكون شريفة
ففي تنافس في الخير، وهذا مما فطر الله عليه الناس، وكل ما فطر الله عليه الناس فليس فيه خطأ؛ هذه فطرة الله.
ولذلك فالمنافسة ينبغي أن تكون منافسة شريفة، وينبغي أن تكون منافسة على الخير، ولكن نستغل هذا في التربية.
معنى الاستدراك في لكن ودلالتها على نفي المساواة بين الناس
كل هذا موجود في كلمة «لكن»، معناها أن هناك أمرين، فيقول لك للاستدراك. استدراك يعني ماذا؟ النفي لما يُتوهم إثباته، أو إثبات ما يُتوهم نفيه.
حسنًا، والمتوهم هنا ما [هو]؟ المساواة؛ أنه يعني كل الناس ستصبح مثل بعضها البعض. لا!
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
لا يستوون، لا يستوون، لا!
المقابلة بين الجنة والنار وأن ما عند الله خير للأبرار وشر للأشرار
ولكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، هذا مقابل ماذا [مقابل قوله تعالى]؟ مأواهم جهنم وبئس المهاد.
إذن هناك جنة ونار، وهناك عقاب وهناك ثواب تحت نطاق الحساب.
﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]
ما عند الله من ثواب، وما عند الله من حياة، وما عند الله من آخرة خير للأبرار، لكنه شر للأشرار.
إنصاف القرآن لأهل الكتاب والرد على دعوى عنصرية القرآن
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 199]
انظر إلى الإنصاف إذن؛ أهل الكتاب منهم من يؤمن بالله. ولذلك لا أحد يستطيع يقول إن القرآن -كما يدعي بعضهم من دعاويهم الكاذبة التي يشوهون بها الإسلام ويبترون بها النصوص ويحاربون بها المسلمين- لا أحد يستطيع أن يقول إن القرآن عنصري ضد ديانة أو سبّ نبيًا أبدًا.
القرآن عدّ الأنبياء جميعهم جزءًا لا يتجزأ من إيماننا.
الإيمان بجميع الأنبياء جزء لا يتجزأ من الإسلام ومن أنكر نبيًا خرج منه
لا يصح لأحد منا أن يقول إن موسى ليس نبيًا ويظل مسلمًا، الذي يقول إن عيسى ليس نبيًا لا يكون مسلمًا، الذي يحتقر واحدًا مثل سيدنا يونس وهو لا يعرف عنه شيئًا -سيدنا يونس لا يسمع إلا فقط سورة يونس في القرآن- يكون غير مسلم.
الذي ينتقص نوحًا النبي أو إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يكون مسلمًا.
إذن كيف يكون هذا [الإيمان بالأنبياء] جزءًا لا يتجزأ من الإيمان؟ احترام الأنبياء [هو الأساس]، ولذلك نقول بعصمتهم وفطنتهم وحكمتهم وذكائهم وأنهم من أعالي الناس وأنهم طيب [أطيب الخلق].
منهج القرآن في نقد الأخطاء لا الأشخاص والتمييز بين أهل الكتاب
والأديان إذن، الأديان هي [من عند الله]، وأنّ -للتأكيد- من أهل الكتاب لمن يؤكد لنا يؤمن بالله. هو إذن لما تأتي لتتكلم عن أهل الكتاب وتنتقدهم، نعم أنا أنتقد الخطأ وليس الشخص.
فحيث إن الخطأ [خطأ] فالصحيح صحيح والقبيح قبيح:
- •الشرك بالله مرفوض.
- •والفساد في الأرض مرفوض.
- •والكذب مرفوض.
فنحن نقول هكذا: إن الكذب خطأ، وإن الفساد خطأ، وإن الشرك خطأ.
إنصاف القرآن في التمييز بين كثير من أهل الكتاب وليس جميعهم
وعندما نأتي إلى الأشخاص ونميزهم، يقول [الله] لي ويعلمني، ولذلك:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 109]
لا يقول لك أهل الكتاب جميعهم، كثير من أهل الكتاب.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ﴾ [يوسف: 106]
أكثرهم ليس جميعهم. الله! هذا إنصاف ما بعده إنصاف.
إذن هذا كتاب يتحدث عن القضايا، لا يتحدث ويميز عنصريًا بين الخلق. فيأتون بهذه [الآيات] ويضعونها هنا ويترجمونها خطأ؛ بعض الناس بحسن نية وغباء وجهل، وبعض الناس بسوء نية وعناد وإلحاد. حسبنا الله ونعم الوكيل.
الرد على المشوهين بأن الكلمة الصادقة تدحض ألف كلمة كاذبة
طيب، فماذا نفعل إذن؟ لا شيء!
﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]
تابع وبلّغ. الكلمة الصادقة تدحض ألف كلمة كاذبة. لماذا؟ لأن هذه [الكلمة الصادقة] موافقة للواقع مع ربنا، وتلك دجل وشعوذة، فما للكذب من قوائم؛ أي ما له من أسس.
صفات المؤمنين من أهل الكتاب الخاشعين الذين لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 199]
حسنًا، والذي يشتري منهم بآيات الله ثمنًا قليلًا نحن ضده. حسنًا، والذين لا يخشعون لله ولا حتى يؤمنون به ويُظهرون ما لا يُبطنون، هذا منافق.
حتى نحن لدينا طائفة من المنافقين، وعند جميع الخلق، والنفاق صفة غير محمودة ولا صحيحة. وهؤلاء المنافقون أخبر الله عنهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار. عدل [من الله سبحانه وتعالى]!
ختام سورة آل عمران بالأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى
﴿أُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]
صدق الله العظيم، آخر [آيات سورة] آل عمران.
فاللهم اجعلنا يا ربنا من المثابرين ومن الصابرين، من الصابرين. اللهم يا ربنا اجمعنا على الخير في الدنيا وتحت لواء نبيك يوم القيامة.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
