سورة البقرة | حـ 102 | آية 85 : 87 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن قصة بني إسرائيل كما وردت في سورة البقرة وكيف خالفوا أمر الله بقتل النفس وإخراج الناس من ديارهم.
- •الانتحار محرم في الإسلام وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه وبين عقوبة من ينتحر بأنه يخلد في النار.
- •يعرض النص لمشكلة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، وهي مشكلة الانتقائية في التطبيق.
- •غياب الاتساق بين المعتقد والنظام يؤدي إلى فقدان الانتماء والهمة والمراقبة الذاتية واحترام النظام.
- •جزاء من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض هو الخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.
- •الذين يتركون بعض الكتاب طمعاً في الدنيا يخسرون الآخرة ولا يحصلون حتى على الدنيا كاملة بل ينالون الخزي.
- •أرسل الله الرسل بعد الكتاب لتأييده وتبليغه، لكن بني إسرائيل كذبوا بعض الرسل وقتلوا آخرين لأنهم جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم.
مقدمة الدرس والدعاء وبيان موضع التلاوة من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا وافتح علينا فتوح العارفين بك، وتوفنا إليك مسلمين، وفهّمنا كتابك يا أرحم الراحمين.
مع كتاب الله نعيش مع سورة البقرة، في قوله تعالى وهو يحكي قصة بني إسرائيل؛ بعد أن نهاهم [الله سبحانه وتعالى] عن سفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم:
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85]
مخالفين بذلك أمر الله [عز وجل].
تحريم قتل النفس والانتحار وعقوبته في الشريعة الإسلامية
وقتل النفس قد يُحمل على الانتحار، بأن يقتل أحدهم نفسه من غير إذن من الله؛ لأن الله لم يأمرهم بقتل النفس. وهذا قد يُحمل على الانتحار، والانتحار حرام وهو جريمة الأشرار.
والنبي صلى الله عليه وسلم في شريعتنا نهى عنه أشد النهي، وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إن من قتل نفسه بحديدة ظلّ في النار يقتل نفسه خالدًا فيها»
يظل يقتل نفسه وربنا يحييه، يقتل نفسه من شدة الإثم، من شدة الإثم [الذي ارتكبه بقتل نفسه].
إخراج الفريق من ديارهم ومفاداة الأسرى وتناقض بني إسرائيل
﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [البقرة: 85]
[وهذا يعني] احتلال الأرض [وإخراج أهلها منها].
﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ﴾ [البقرة: 85]
يعني يدفع فدية في مقابل الأسرى، وهم أصلًا ما كان لهم أن يقبضوا عليهم؛ لأنهم أمة واحدة ومن قرابة واحدة.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: 85]
أصلًا [إخراجهم من ديارهم] محرّم عليكم.
الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه علة الأمة الكبرى
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
هذا هو العنوان الكبير وعلة الأمة؛ أن الأمة تؤمن ظاهريًا بالكتاب كله، مؤمنون بالقرآن، ثم يأتي دور الانتقاء؛ يريد أن يؤمن ببعضه إن كانت فيه مصلحته، إن كانت فيه شهوة، إن كانت فيه رغبة، إن كانت فيه حياة.
ويكفر ببعض ويرفضه، ويستحلّ ما نهى الله عنه.
الإيمان الانتقائي يؤدي إلى النفاق وعدم اتساق المعتقد مع النظام
هذه الطريقة [طريقة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه] تؤدي إلى ما يمكن أن يُسمّى بالنفاق، أن يكون الظاهر بخلاف الباطن. وتؤدي إلى عدم اتساق المعتقد مع النظام.
الذي هو ماذا؟ قال [العلماء] إن هذه مجموعة إجراءات كذلك في الخارج؛ أنظمة في نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي وتعليمي وقضائي وهكذا. أنظمة تحكم الناس لا بد أن تتسق مع معتقد الناس؛ لأن هذا الاتساق هو الذي يُشعر الإنسان بالانتماء، وهو هذا الذي يُشعر الإنسان بالرغبة في العمل، وهذا هو الذي يُشعر الإنسان باحترام ذلك النظام والدفاع عنه.
فقدان الاتساق بين المعتقد والنظام يؤدي إلى فقدان الانتماء والهمة
لكن إذا قُطع هذا الاتساق [بين المعتقد والنظام]، فعاش الناس أو بعض الناس في قلوبهم [على شيء]، وكانت الأنظمة في وادٍ آخر، بعضها من هنا وبعضها من هناك، في الظاهر تؤمن بالكتاب وفي الباطن تفرّق بين بعضه وبعضه الآخر؛ فقدنا الاتساق.
وإذا فقدنا الاتساق فقدنا خيرًا كثيرًا:
- •فقدنا الانتماء.
- •فقدنا الهمة.
- •فقدنا العمل الجاد.
- •فقدنا المراقبة على أنفسنا.
- •فقدنا احترام النظام.
وهكذا.
جزاء الإيمان الانتقائي الخزي في الدنيا والتذبذب بين الإيمان والكفر
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
الذي يعمل هذا [الإيمان الانتقائي] سيفقد الاتساق، والذي سيفقد الاتساق سيفقد العلاقة بين العقيدة والنظام، والذي سيفقد هذا يحدث له تدهور في الدنيا؛ لدرجة أن من اتسقت عقيدته أيًّا ما كانت مع نظامه أيًّا ما كان رأيك فيما حدث.
﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]
فستفشل هكذا. لا تريد أن تكفر ولا تريد أن تؤمن!
﴿مُّذَبْذَبِينَ لَا إِلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 143]
تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، لن ينفع؛ لأن الكمالة التي أكملتها من عقلك ضد الباقي من كتاب الله يخلط الدنيا ويذهب بالانتماء والهمة والمراقبة.
الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة جزاء من آمن ببعض الكتاب
وهنا سيكون الخزي:
﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]
هذا الجانب الخاص بنا هنا في الدنيا، وهو ليس بأسعد حالًا في الآخرة:
﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
هذه هي [العقوبة] الأخروية. إنما المصيبة أن الذي يفعل ذلك ماذا يريد؟ أن يحصل على شيء من الدنيا، ولذلك يترك بعض الكتاب من أجل عقله الذي يقول إن تركك لبعض الكتاب سيؤدي إلى تحصيل الدنيا، ويطمئن إلى هذا. والله ينبّهه ويحذّره أنك إذا فعلت ذلك فإنك لن تزداد إلا خزيًا في الدنيا.
شراء الحياة الدنيا بالآخرة وعدم تخفيف العذاب عنهم أبدًا
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [البقرة: 86]
أخذوا الحياة الدنيا، وعلى فكرة هم لم يأخذوها كثيرًا، بل أخذوها مع خزي؛ البيعة خاسرة، لكنهم تركوا الآخرة.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ [البقرة: 86]
هو [سبحانه وتعالى] لم يقل: فلا يُخفَّف عنهم العذاب أين؟ ومعناه أنه في الدنيا والآخرة؛ يعني لم يقل: فلا يُخفَّف عنهم العذاب في الآخرة. قال: العذاب وسكت؛ يبقى حياتهم عذاب ومماتهم عذاب.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 86]
ما من أحد سينصرهم من دون الله سبحانه وتعالى.
إرسال الرسل بعد موسى وتأييد عيسى بروح القدس واستكبار بني إسرائيل
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ﴾ [البقرة: 87]
لأن الكتاب [التوراة] لم يُقَم [لم يُعمل به]، فأُرسلت الرسل بعد الكتاب [لتجديد الدعوة إلى العمل به].
﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [البقرة: 87]
لكي يؤيّد الكتاب.
﴿وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]
من أجل أن يبلّغ عن الله [رسالته].
﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
