سورة البقرة | حـ 106 | آية 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قصة بني إسرائيل في القرآن تشكل معظم قصص الأنبياء للاستفادة منها في حياتنا ودعوتنا.
- •أرسل الله موسى بالبينات الواضحة التي لا تدع مجالاً للشك أو الحيرة في الفكر المستقيم.
- •رغم وضوح البينات، اتخذ بنو إسرائيل العجل بعد فترة من إدراكهم للحق وطمأنينة قلوبهم.
- •الفعل لا ينسب إلى فاعله إلا إذا فعله قاصداً عالماً مختاراً، وليس غافلاً جاهلاً مُكرهاً.
- •هذه القاعدة طبقها النبي ﷺ مع عمار بن ياسر حين أكره على سب النبي، فلم ينسب إليه هذا القول.
- •كذلك لم يكفر النبي ﷺ المرأة التي قالت "إن لنا نبياً يعلم ما في غد" لأنها جاهلة غير قاصدة.
- •الأعراب الذين طلبوا ذات أنواط لم يكفرهم النبي ﷺ لجهلهم، بل علمهم وشبههم ببني إسرائيل.
- •ينبغي عدم تكفير أحد بفعله إلا إذا أتاه قاصداً عالماً مختاراً.
مقدمة في قصة بني إسرائيل في سورة البقرة والعبرة منها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، وهو يقصّ علينا قصة بني إسرائيل لعلنا أن نستفيد منها في حياتنا الدنيا وفي دعوتنا إلى الله.
وقصة بني إسرائيل في كتاب الله تشغل معظم قصص الأنبياء الذين قال الله فيهم:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
تشغل ثلاثة أرباع القصص؛ لأن موسى عليه السلام يشبه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهناك شريعة وتكليف قد لا نجدهما في كثير من الأديان، وهناك إيمان بالله وبالوحي والكتب والرسل وباليوم الآخر.
الفرق بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام العالمية
والفرق [بين رسالة بني إسرائيل ورسالة الإسلام] هو أن بني إسرائيل كان دينهم مقصورًا على خاصتهم، ونحن ديننا نبلّغ به الجميع، كل الناس أمة الدعوة وأمة الإجابة.
فعلّمنا الله كثيرًا من كلامهم وقصصهم ومواقفهم حتى نستفيد منها؛ فلا نكون مثل ما كانوا عليه من الشرك، ولنفعل ما فعلوه من الخير.
فإن الله سبحانه وتعالى فضّلهم على عالَمي زمانهم من أجل أنهم قدّموا بعض الخير الذي رضي الله عنه.
تفسير قوله تعالى ولقد جاءكم موسى بالبينات ومعنى البينات
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 92]
يبقى إذا يشير الله سبحانه وتعالى أنه من وسيع رحمته عندما يرسل الرسل يرسل معهم ما أسماه هنا بالبينات. ليس هناك شيء غير واضح.
فما بال بعض الناس يشعرون أن هناك شيئًا غير واضح؟ إذن يُلبِّس [على نفسه]، إذن يفكّر تفكيرًا غير مستقيم.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
لماذا هذا التلبيس؟ لأنهم مذبذبون، هذا من التلبيس.
الفرق بين الفكر المستقيم والفكر المعوج وعلاقته بالحيرة
هذه الذبذبة تعني أن فيها حيرة، الفكر المستقيم ليس فيه حيرة.
لو جلسنا ننظر: ما هو الفكر المستقيم هذا؟ وما هو الفكر المعوج؟ وما هو الفرق بين الفكر المستقيم والفكر المعوج؟ سنأخذ وقتًا طويلًا، ولعلنا في مرة نجلس عليها.
لكن عندما يأتي ليقول لك:
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ [البقرة: 92]
البينات هذه تقف عندها؛ أن الله لا يرسل الرسل إلا بالبينات، فتطمئن القلوب؛ لأن في العقول وضوحًا ما ليس فيه حيرة ولا شك ولا ريب.
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [هود: 1]
دلالة كلمة ثم على مرور الزمن بين البينات واتخاذ العجل
ثم ونحن أيضًا نقول أول ما يقول "ثم" نعرف أن هناك زمنًا بعد أن جاءتهم البينات وأدركوا أنها من البينات، ودخلت عقولهم وأرواحهم وقلوبهم وكل شيء بوضوح.
فبعد ذلك قال ماذا؟ "ثم"، أول ما يأتي إليّ "ثم" هذه أعرف أنهم عاشوا مع البينات وأدركوا أنها بينات، وبعد ذلك بعد زمن، ماذا حدث بعد هذا الزمن؟
﴿ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ﴾ [البقرة: 92]
وهذا ما معناه القصد والعلم والاختيار.
التأمل في كلمة ثم وما تدل عليه من تعاقب الأحداث الزمنية
من أين يأتي هذا الكلام؟ من كلمة "ثم".
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ﴾ [البقرة: 92]
أول ما يقول لي "ثم" أجلس أتأمل فيما قبلها وفيما بعدها، وأجعل بينهما زمنًا وأتخيل الزمن: ما الذي حدث فيه؟
فجاءت أمور واضحات استقرت في القلوب والعقول، طمأنت قلوبهم. ثم جاءت بعد هذه الطمأنينة رغبات وشهوات، جاءت بعدها مقاصد ومصالح، جاء بعدها اختيار وتدبير.
قاعدة نسبة الفعل لفاعله بشروط القصد والعلم والاختيار
فالعلماء قالوا ماذا؟ لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا أتى به قاصدًا عالمًا مختارًا.
قاصدًا: الذي هو:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
قاصدًا يعني أنه ليس غافلًا، لم يفعل هذا الفعل وهو نائم، وهو ناسٍ، وهو ساهٍ، وهو كذلك، لا.
مختارًا: لم يفعل هذا الفعل وهو مُكرَه، لم يُكرهه أحد عليه.
الفعل أنا فعلته وأنا قصدي أن أفعله، لم أفعله هكذا في الطريق، فعلته وأنا غافل وأنا ناسٍ وأنا نائم وأنا... لا، هذا أنا فعلته عن عمد قاصدًا عالمًا وأنا أعرف ماذا أفعل، وأنا أعرف حكم الذي أفعله، مختارًا لم يُكرهني أحد عليه، لم يقل لي أحد عليه.
تطبيق قاعدة القصد والعلم والاختيار على الصلاة والكفر والسرقة
إذا صدر الفعل من فاعله بهذه الشروط الثلاثة [القصد والعلم والاختيار] نُسب إليه.
فأنا صليت قاصدًا عالمًا مختارًا فأنا مُصلٍّ. وواحد كفر قاصدًا عالمًا مختارًا يصبح كافرًا. وواحد سرق قاصدًا عالمًا مختارًا يصبح سارقًا.
وهكذا تكون القاعدة هي تقول ماذا؟ لا يُنسب الفعل لفاعله إلا إذا صدر عنه قاصدًا عالمًا مختارًا. الذي ضده ماذا؟ غافلًا جاهلًا مُكرَهًا، فهو ليس بهذه الصفة.
إذن إذا نحن لا نستطيع أن نُكفّر أحدًا بفعل؛ لأنه يمكن أن يأتي إنسان [بفعل] مُكفِّر، فعلٌ مُكفِّر، لكنه لا يقصد، لكنه لا يعلم، لكنه مُكرَه.
قصة عمار بن ياسر والإكراه على سب النبي دليل على عذر المكره
وقد وردت فعلًا في السنة والكتاب بهذا [المعنى].
عمار [بن ياسر رضي الله عنه] قالوا له: سُبَّ النبي، وضربوه وسيعذبونه وقتلوا أمه أمامه. فالنبي عليه الصلاة والسلام هو بقي [ينتظر]، عمار سبّ [مُكرَهًا].
فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: يا عمار، كيف وجدت قلبك؟ قال: وجدته مؤمنًا بالله ورسوله. قال: يا عمار، إن عادوا فعُد، ما دام باللسان فقط، إن عادوا فعُد؛ لأنه مُكرَه فلا يُنسب إليه هذا [الكفر].
قصة المرأة التي مدحت النبي بكلام خاطئ ولم يكفرها لعدم القصد والعلم
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
جاءت لنا حكاية القصد هذه: ضربت امرأة [بالدف] بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: وإن لنا دُفًّا، وقالت: وإن لنا نبيًّا يعلم ما في غد.
قال [النبي ﷺ]: ويحكِ يا امرأة، إن الله علّام الغيوب، خوضي فيما كنتِ فيه تخوضين. كانت تغني غناء بُعاث أو كذا من غناء الأنصار، [فقال لها]: خوضي فيما كنتِ فيه من قبل تخوضين دون حكاية [أن النبي يعلم الغيب].
لأنها لما رأت النبي ﷺ فرحت وقالت: وإن لنا نبيًّا يعلم ما في غد، لكي تُزيّن مع الأغنية التي كانت تغنيها. فقال [لها]: لا تقولي هذه الكلمة، هذه الكلمة خطأ، وأرشدها إلى الصحيح.
سبب عدم تكفير النبي للمرأة لأنها لم تكن عالمة ولا قاصدة
لماذا لم يُكفّرها إذن؟ لم يُكفّرها لأنها ليست عالمة، لم يُكفّرها لأنها غير قاصدة؛ هي تريد أن تمدح النبي ﷺ فمدحته خطأً.
وجاء أناس فقالوا: يا رسول الله، وهم في سفر رأوا شجرة يعبدها الناس، والأعراب الذين دخلوا الإسلام حديثًا قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. وذات أنواط هي شجرة يضعون عليها مثل الأوشحة والأوسمة التي تُعطى، تُعلّق عليها فيسمونها أنواطًا.
قصة ذات أنواط وتعليم النبي للجاهل بدلًا من تكفيره
فقال لهم [النبي ﷺ]: أتسألوني كما سألت بنو إسرائيل موسى حين قالوا اجعل لنا إلهًا؟ هذا هو الأمر، إله واحد فقط.
جاءه الرجل فقال له: كم تعبد؟ فقال له: سبعة في الأرض وربًّا في السماء، أو وربٌّ في السماء. يعني هو العبادة الخاصة به هكذا، يا [رجل] تقول سبعة في الأرض وربٌّ في السماء؟! يعني اعبد هذا أو هم سبعة في الأرض وربًّا في السماء، وبهما جاءت الرواية.
فقال [النبي ﷺ]: اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء، علّمه. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يُعلّم الجاهل لكن لم يُكفّره.
خلاصة قاعدة عدم نسبة الفعل لفاعله إلا بالقصد والعلم والاختيار
فالفعل لا يُنسب إلى فاعله إلا إذا أتى [به] قاصدًا عالمًا مختارًا به، وحينئذ يكون كذلك [أي يُنسب إليه الفعل ويُحاسب عليه].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
