سورة البقرة | حـ 108 | آية 93 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •دائرة القداسة التي جعلها الله للمتدينين تميزهم عن غيرهم، فالمسلمون يقدسون المصحف والكعبة وآثار النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الله أرانا آيات بينات مستمرة تدل على الحق، منها حفظ القرآن الكريم من التحريف حتى على مستوى الأداء والحرف.
- •استمرار ظهور قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحمايته من أي اعتداء آية من آيات الله، فلا نعلم قبراً لنبي ظاهراً كقبره.
- •حفظ الله للكعبة من كل اعتداء كما حدث مع أبرهة والفيل محمود.
- •من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم استمرار نسله وذريته رغم موت أبنائه الذكور في حياته.
- •كثرة أهل البيت وانتشارهم في الأرض مصداق لقوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر".
- •رفع الله ذكر نبيه فأصبح اسم "محمد" الأكثر انتشاراً في العالم وفق موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
مقدمة الدرس ودائرة القداسة التي تميز المتدينين عن غيرهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله ومع سورة البقرة في قصة بني إسرائيل، نستهدي منها ما ينير طريقنا إلى الله، ونرى فيها رحمة الله بهم وبنا في أنه جعل هناك دائرة للقداسة تميز المتدينين عن غيرهم.
غير المتدينين يرون أن الأشياء متساوية؛ فهذا الكتاب -المصحف- يساوي أي كتاب آخر في كونه ورقًا وحبرًا وطباعةً وتجليدًا، لكننا نرى له قداسة وهيبة في قلوبنا بناءً على ما تربينا عليه من آبائنا وأجدادنا. وأول ما نرى المصحف نقبّله ونعظّمه ونضعه فوق الكتب جميعًا، ولا نرضى أن يكون المصحف في أسفل أو أن يقع على الأرض أو أن يُصاب بشيء من الأذى. لماذا؟ لأنه مقدّس.
تقديس الكعبة والملتزم وآثار النبي صلى الله عليه وسلم
كذلك فإننا نرى الكعبة فنعظّمها ونوقّرها ونقدّسها ونقبّلها ونتعلق بأستارها وندعو إذا ما رأيناها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن لمن نظر إلى الكعبة أول نظرة دعوة مستجابة»
هناك دعوة مستجابة لمن نظر إلى الكعبة في أول منظر. والملتزم سُمّي ملتزمًا لأنه يُلتزم عنده استجابة الدعاء، وهكذا.
ونقدّس النبي صلى الله عليه وسلم ونقدّس آثاره المحفوظة في توبكابي في تركيا، أو هنا عند سيدنا الحسين، أو في طشقند، أو في أي مكان. لماذا؟ لأننا نحب النبي صلى الله عليه وسلم.
دائرة القداسة تقي المسلمين من الشرك والوقوع في عبادة غير الله
ودائرة القداسة هذه تقينا الشرك، تقينا الشرك، تقينا أن نقع فيما وقعوا [بنو إسرائيل] فيه من اتخاذ العجل؛ ابتغاء أن يُفرغوا ما في أنفسهم من حب التعلق بالمقدّس.
فرسم الله لنا دائرة أخرى من هذه المقدّسات، وجعل هناك آيات بيّنات مستمرة تبيّن لنا أن هذا هو الحق:
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]
حفظ القرآن الكريم على مستوى الأداء والحرف من آيات الله المستمرة
من ضمن هذه الآيات أن القرآن محفوظ فلم يُمسّ، قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
فإذا به محفوظ على مستوى الأداء، وليس على مستوى الكلمة ولا الآية ولا الحرف فحسب، بل على مستوى أداء الحرف.
إذا ذهبنا نجد أن القرآن قد تُرجم إلى مائة واثنين [من اللغات]، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية مائتين وسبعين مرة، ولكن يبقى الأصل هو [المرجع]. فعندما نأتي في أي ترجمة نقول: لا، هذه خطأ وهذه صحيحة، وهذه تصلح وهذه لا تصلح، هذه الآية صحيحة والآية التي بعدها في الترجمة خطأ -ترجمة معاني القرآن-. ما الذي يجعلنا نقول هكذا؟ هو الأصل، هو حفظ الأصل.
قبر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر معلوم بخلاف قبور الأنبياء الآخرين
محمد صلى الله عليه وسلم كان يعرف كيف يفعل ذلك [حفظ الدين]، أي كيف يفعل ذلك؟ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى [حتى أتمّ الله دينه].
من الآيات [الدالة على حفظ الله لنبيه] أن يبقى قبره ظاهرًا، ولا نعلم قبرًا لنبيّ كقبره. أين قبر الأنبياء؟ أين قبر سيدنا موسى؟ هناك على الخريطة، أي لا نعرف [مكانه بالتحديد].
حسنًا، وأين قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ تحت القبة الخضراء، تحتها قبة زرقاء، تحتها القبر الأجلّ صلى الله عليه وسلم.
الآية القرآنية في المجيء إلى النبي والاستغفار عنده وهل نُسخت
قوم ربنا يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]
طيب، وهل نُسخت هذه الآية؟ ما أحد قال إنها نُسخت في العالمين. يبقى لمّا الواحد يذهب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذهب إليه. أين؟ وأنت تعرف أين هو. نعم، تعرف أين هو.
عنوانه: المدينة المنورة، طيبة بالحجاز، هذا هو الإقليم، بالمملكة العربية السعودية. تركب له الطائرة في المكان الفلاني، تنزل، تذهب، موجود حتى الآن.
حماية قبر النبي صلى الله عليه وسلم بيد الله لا بيد البشر
طيب، وهذا [القبر الشريف] هو كان في يده [حمايته]؟ ما كان [في يد أحد]! ويختلف المسلمون في مكان دفنه [أي دفن الأنبياء الآخرين]، كان بإمكانهم ألا يفعلوا ذلك [أي إخفاء القبور] مع جميع الأنبياء. فلماذا هو [محمد ﷺ] الذي قبره ظاهر ومحمي؟
كيف محمي؟ قيل لك إنه تعرّض للهجوم عدة مرات، عدة مرات لكي يُزيلوا هذا المكان، فلم يستطع أحد في العالمين. وهذا بيد مَن إذن؟
لا بدّ أن المسلمين هم الذين حموه؟ لا، مسلمين ولا كفار [لم يحمه أحد من البشر]! هذا بيد رب العالمين، هو الذي حمى؛ لأنه هو الذي وعد.
حماية الكعبة بيد الله كما حماها من أبرهة وقصة الفيل محمود
ما هو عبد المطلب قال ماذا في الهجوم على الكعبة؟ قال: هذه إبلي [أي الإبل لي]، وإن للبيت ربًّا يحميه. أنا ما لي؟ اذهب اكسره [إن استطعت]!
هو [عبد المطلب] كان [يقول]: بيتي؟ هذا بيت ربنا، وربنا هو الذي أمر برفع القواعد، فإذا أراد أن يهدمه فسيهدمه. هذه قطعة كبيرة جدًّا؛ حتى الكعبة، حتى الكعبة هذه في حماية ربنا وليس في حمايتنا نحن، لا حول لنا ولا قوة.
والذي يريد أن يجرّب فليجرّب؛ فقد جرّب أبرهة الرجل. عائشة [رضي الله عنها] تقول: رأيت الفيل -كان اسمه محمود، كانوا يقولون عليه محمود- هذا هو الفيل. عمي [أي أعمى]، قالت: رأيته يسأل الناس في طرقات مكة، كما أنه لم يعرف كيف يرجع إلى بلده؛ ليكون عبرة لمن لم يعتبر.
وأبرهة أصابه ما أصابه، والطير الأبابيل ضربته، وحدث ما حدث.
الآيات المستمرة في حفظ الكتاب والقبر الشريف وبيت الله الحرام
فإذا نحن أمام آيات مستمرة مثل:
- •حفظ الكتاب [القرآن الكريم].
- •حفظ القبر الشريف [قبر النبي ﷺ].
- •حفظ بيت الله [الكعبة المشرفة].
وبيد محمد صلى الله عليه وسلم أن يُكثر هذا [النسل]؟ يا عيني! أولاده الذكور ماتوا في حياته، وبناته مُتنَ في حياته. اثنان لم ينجبا: رقية وأم كلثوم، وزينب أنجبت أُميمة وأُميمة لم تنجب.
وفاطمة أنجبت الحسن والحسين ومحسنًا وزينب، ومحسن مات، وبقي الحسن والحسين. هذا أنجب قليلًا وذاك أنجب قليلًا، ماتوا من غير عقب، من غير إنجاب.
معجزة بقاء ذرية النبي وسورة الكوثر دليل على كثرة أهل البيت
يقول ماذا؟ يقول الله تعالى إذن: كان بإمكاني أن أُميتهم لك جميعًا، ولما كان هناك شيء يُسمّى أهل البيت. فماذا يقول [النبي ﷺ] إذن:
«تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترتي»
فكيف عرفت أنه سيكون لك عترة؟ قال له الله:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]
ما معنى المعجزات الثلاث؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يعني: إنا أعطيناك الناس الكثيرين. فحقًّا أهل البيت يملأون الأرض الآن والله!
حفظ الله لذرية النبي وعجز البشر عن إفنائها عبر التاريخ
وهل في استطاعة أحد من المسلمين أن يفعل هذا الأمر؟ لا يستطيع أن يفعله؛ لأن الخالق هو الله.
وربنا يرينا في التاريخ: إن كان بإمكانهم ألا يتركوا له [النبي ﷺ] ذرية لما تركوا له الذرية، ولكنني سأترك له الذرية. فعليّ زين العابدين يكون واحدًا من أولاد الحسين، وزيد الأبلج والحسن المثنى أحدهما من أولاد الحسن.
ومن هؤلاء الثلاثة تحدث كل هذه الملايين! هذه هي [المعجزة]، وهي مستمرة ولا ترضى أن تنتهي. حتى يصبح لدينا يوجد شيء يُسمّى نقابة الأشراف، مسجّلون في سجلات، نبني لها مبنى جديدًا بجانب الأزهر اليوم عند صلاح سالم هكذا.
أليست هذه معجزة؟ أليست كذلك؟ فمن يستطيع أن يفعل هذا الأمر؟
آيات الله في حفظ العترة والكتاب ورفع ذكر النبي في المآذن والأسماء
إذا كان الله يرينا آياته في حفظ العترة وحفظ الكتاب وحفظ القبر الشريف، ولم يجعل أحدًا من الناس -أي الناس- يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويُعلي ذكره كما قال له كذلك:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
كل المآذن في العالم خمس مرات في اليوم: وأشهد أن محمدًا رسول الله! أكثر واحد له اسم في الأرض الآن: موسوعة غينيس للأرقام القياسية تقول: ما اسمه؟ محمد! في اسم كذلك اسمه محمد، سبعون ثمانون مليون واحد اسمه محمد.
فما رأيكم في اسم آخر؟ مسعد مثلًا؟ لا يأتي، مسعد غير موجود. فماذا عن سعيد أو مسعود؟ أي شيء. حسنًا، ما يوجد إلا ماذا؟ محمد أصبح رقم واحد، والذي يليه بالملايين من الملايين غير موجود.
هذا من عند مَن؟ فلماذا لا تخبروننا ما الحكاية؟ فالعاقل خصم نفسه، والآيات مستمرة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
