سورة البقرة | حـ 109 | آية 93 : 94 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتدبر الشيخ الآيات في سورة البقرة حول ميثاق الله مع بني إسرائيل ورفع الطور فوقهم.
- •الأوامر الإلهية "خذوا ما آتيناكم بقوة" تشمل الإيمان والتصديق واتخاذ المنهج بقوة لا بضعف.
- •كلمة "اسمعوا" في الآية تعني الاستجابة والتطبيق، لكن بني إسرائيل قالوا "سمعنا وعصينا".
- •ارتكبوا ثلاث مصائب: تحريف الوحي، عدم الاستجابة، والتبجح بالمعصية.
- •"وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم" تصور دخول الكفر في قلوبهم كما يدخل الحبر في المنشفة.
- •الإيمان الحقيقي يختلف عن الصورة المشوهة عن الإسلام التي يحملها بعض الناس.
- •يجب التمييز بين الصورة المشوهة عن الإسلام والحقيقة الصحيحة عنه.
- •عند مواجهة صورة مشوهة عن الإسلام، يجب عدم قبولها كاملة وعدم رفضها كاملة.
- •الواجب استخراج الحق من الباطل وتبليغ كلمة الله الصحيحة كما أرادها الله.
مقدمة الدرس وبيان موضوع الآية من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ [البقرة: 63]
في معجزة حسية.
وجوب أخذ أوامر الله بقوة وعزيمة لا بضعف وتردد
﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم﴾ [البقرة: 63]، هذه النقطة الأولى؛ فيجب علينا كمسلمين - وإن كان الخطاب هنا موجهًا لبني إسرائيل - ولكن هذا كتاب هداية نتجاوز به الزمان والمكان والأشخاص والأحداث.
﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]، هذه الأوامر الإلهية بقوة، ليس فيها من فصال؛ اسلم نفسك. إذن يكون ﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم﴾ [البقرة: 63] تؤمنون به وتصدقون به وتتخذونه منهجًا بقوة وليس بضعف.
قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير»
واسمعوا [أي واستجيبوا].
معنى الاستجابة لأوامر الله والمسارعة في التطبيق دون تردد
هذا رقم ثلاثة: استجيبوا. «سمع الله لمن حمده» يعني استجاب الله لمن حمده. و«اسمعوا» هنا ليس معناها تلقَّوا، معناها سارعوا في الاستجابة، طبِّقوا المنهج.
[الأمر] واضح لا يحتاج إلى حيرة وشك ثم قرار ثم تنفيذ؛ نفِّذوا ووفِّروا عليكم هذه المقدمة واجعلوها أساسًا حسنًا.
فماذا نقول إذن كمؤمنين؟ نقول:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
وستأتي في آخر [سورة] البقرة.
مصيبتا بني إسرائيل: تحريف الوحي والتبجح بالمعصية
فماذا قالوا هم وما كانت نتيجة قولهم؟ قالوا: سمعنا وعصينا. فعلوا ماذا؟ فعلوا مصيبتين:
المصيبة الأولى: أن ربنا يقول لهم استجيبوا بلفظ وهو «اسمعوا»، فذهبوا حاملين كلمة «اسمع» إلى السمع الخاص بالأذن؛ يحرِّفون الكلم عن مواضعه. «واسمعوا» يعني واستجيبوا، قالوا: سمعنا - يعني سمعنا بآذاننا - وعصينا.
فيبقى رقم واحد: تحريف الوحي. رقم اثنان: هذه الآفة التي تواجههم في قضية عدم الاستجابة.
النهي عن التبجح بالمعصية وخطورة الافتخار بالذنب
رقم ثلاثة: التبجح بذلك [بالمعصية]؛ يعني الإنسان أحيانًا نفسه تغلب عليه ويرتكب الذنب، ولكن لا يتبجح به. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهانا أن نتبجح بالمعصية.
قال النبي ﷺ: «إن أشد الناس عذابًا الرجل يفعل المعصية بالليل يستره الله، فيقوم ويقول: فعلت كذا وكذا»
كأنه يفتخر بالمعصية. فانظروا عملوا ماذا: «سمعنا» - إن هذا تحريف - «وعصينا» - هذه بجاحة.
وجوب الحذر من التحريف والتبجح والاعتبار بأخطاء بني إسرائيل
يجب عليك أيها المؤمن أن لا تحرِّف وأن لا تتبجح. هذه مسألتنا نحن؛ إذن ما هو [الواجب]؟ يجب أن تفهم ما علينا نحن. أما هم فذلك شأنهم؛ حدث كذلك أنهم حرَّفوا وأنهم تبجَّحوا.
أنت أول شيء إياك أن تحرِّف، وأنت أول شيء إياك أن تتبجح. [هذه] الصفات التي لا يحبها الله.
تشبيه تشرب القلوب بالكفر كالإسفنجة التي تمتص الماء
﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: 93]
يعني بسبب كفرهم. أتعرف عندما تأتي بالمنشفة وتضعها في الحبر، أو الإسفنجة كما تدخل المياه في جميع أجزاء الإسفنجة هذه، أو يدخل الحبر في جميع أجزاء النشَّافة؟ هكذا العجل وقصة العجل وكفرهم بالعجل دخل في قلوبهم، فأصبح هكذا.
طيب وبعد ذلك، والله لو كان القلب هذا يعمل مثل النشَّافة لما خرج الحبر منه؛ فهذا يحتاج إذن إلى أن يُزال ويُرمى ويأتي بقلب آخر. لو كان يعمل مثل الإسفنجة نعصرها ونخلِّصها من المياه فتنضب قليلًا.
وفعلًا القلوب على نوعين: قلوب لا يمكن [إصلاحها] وأُقفلت نهائيًا، وقلوب أخرى يمكن فيها أمل وفيها رحمة.
غضب الله على من سمى كفره إيمانًا وبئس ما يأمرهم به
﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]
أول ما يقول «بئسما» نفعل ماذا؟ قال: نستشعر الغضب؛ الله غاضب. «بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين».
فإنهم سمَّوا كفرهم إيمانًا؛ يتكلم ويقول لك: لا، أنا مؤمن! ها أنا مؤمن بهوائي. قال له: والله إذا كان هذا إيمانًا فبئس الإيمان هذا.
الرد على من يشوه صورة الإسلام بالأكاذيب والافتراءات
هذا سيفيدنا لأن كثيرًا من الناس الذين يتصورون الإسلام بصورة سيئة جدًا، وعندما تجلس وتتكلم معه ويقول لك: لا، أليس دينكم الذي يقول ويقول؟ كله كذب! يقول شيئًا لم نسمعه قط، وتفعلون وتسوُّون وتتركون.
نقول له هكذا: بئسما هذا الإسلام [الذي تصفه]! إن كان هذا إسلامًا - إن كنا نحن نحارب كل الذي تقوله - هذا ستلبسها لنا؟! بئسما هذا الإسلام الذي في أذهانكم! هذا إن كان هذا إسلامًا:
﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]
لكن أنتم لستم مؤمنين، لكن هذا ليس إسلامًا.
التحذير من قبول الصورة المشوهة للإسلام والتأكيد على رفضها
وهكذا إياك أن تقع في خطأ كبير بأنك بعد أن تسمع السبَّ في هذه الصور المشوهة أن تقول له: لا بأس عليه، لكن الإسلام جميل. الإسلام الذي في عقلك هذا لا! الإسلام الذي في عقله هذا ليس جميلًا؛ لا نقول به ولم يقل به الله ولا رسوله ولا المؤمنون.
فربنا يعلمنا هنا: واحد يقول لي: الله أنت تقول لي أنت متفق معه مائة في المائة؟ أجل، متفق معه مائة في المائة في الذي في عقله.
تفنيد الصورة النمطية المشوهة عن المسلمين وبيان حقيقة الإسلام
الذي يظن أن المسلمين هؤلاء سيمسكون الناس يقتلونهم وسيقطعونهم قطعًا ويضعونهم في الأكياس، ليس في قلوبهم رحمة، يكرهون المرأة ويكرهون الطفولة ويكرهون البيئة ويكرهون الكون ويكرهون أنفسهم - لا يا أخي! أنا لست كذلك والإسلام ليس كذلك والقرآن ليس كذلك.
قال: لكنني رأيت مسلمًا واحدًا يقتل آخر. [قلت له:] إذن فكرك غير مستقيم؛ لكن الصورة الذهنية التي في عقلك هذه مرفوضة.
دعوة من يحمل صورة مشوهة عن الإسلام إلى معرفة الإسلام الصحيح
يقول لي: ولكن هذا هو الإسلام الذي لديَّ. فقلت له: حسنًا، فلا تبقَ مسلمًا هكذا! فالإسلام الذي في عقلك هذا لا تكونه؛ لأن هذا لا يرضي الله.
وإنما يوجد إسلام آخر، الذي نزل على قلب النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم. فتعال ادخل في الإسلام الصحيح هذا، ولا تدخل في الإسلام الذي في عقلك المشوَّه. فهذه نقطة مهمة جدًا.
خلاصة الآية وبيان الفرق بين الصورة المشوهة والحقيقة الباطلة
يقول:
﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]
ولكن أنتم لستم مؤمنين وليس هذا هو الإيمان الحقيقي أبدًا.
الصورة المشوهة معناها ماذا؟ يعني أننا أحضرنا شخصًا له حقيقة وقمنا بتشويهها؛ إذن بعض الصورة صحيح وبعض الصورة خطأ. يقتضي ذلك فهم [أنهم] يلبسون الحق ولكن يلبسونه بالباطل.
فمع الحق عندما يخرج مع الباطل هكذا يصبح صورة مشوهة. أما لو كان باطلًا فلا يوجد تشويه إذن؛ هذا يصبح حقيقة الباطل هكذا. فالصورة التي يصورونها الآن عن المسلمين مشوهة.
التمييز بين ادعاء بني إسرائيل بالآخرة وبين الحقيقة الشرعية
فربنا يقول لنا ينبهنا على هذا الجزء: الفرق بين الصورة المشوهة وبين الحقيقة الباطلة. يقول:
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ﴾ [البقرة: 94]
فهم مؤمنون بالآخرة أم لا؟ حسنًا، وإيمانهم هذا صحيح من الجهة الصحيحة. [لكن] ادعاء أن لهم الآخرة وحدهم - نعم، هذا ليس صحيحًا. فيجب أن نميِّز في الصور.
منهج التعامل مع التشويه بين قبول الحق ورفض الباطل والصبر على ذلك
فإذا كتاب الهداية [القرآن الكريم] قد أرشدنا إلى قضية التشويه، ونبَّهنا إلى أن التشويه سوف يشتمل على الحق والباطل.
وإننا عندما نتعامل معه لا نقبله مشوَّهًا؛ لأننا نكون قد قبلنا الباطل، ولا نرفضه كله؛ لأننا نكون قد أنكرنا الحق. وإنما نستخرج هذا من ذاك، ونبلِّغ كلمة الله كما أراد، ونستمر على ذلك ونصبر.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
