سورة البقرة | حـ 110 | آية 94 : 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 110 | آية 94 : 97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الإيمان يستقر في القلب، وإذا كان بالتصديق المبدئي فقط فهو ضعيف، أما إذا صدقه العمل فيكون قوياً.
  • يجب أن يكون الإيمان بالآخرة من النوع القوي المؤيد بالعمل الصالح المتمثل في عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس والإنسانية.
  • المؤمن الصادق يعلم أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا، فلا يتعلق بالدنيا كأنها غاية أمله.
  • قال تعالى: "فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" والناس يخافون الموت ويتمسكون بالحياة لعلمهم بتقصيرهم.
  • يود الكافر لو يعمر ألف سنة، وما ذلك بمزحزحه من العذاب، فالإنسان حتماً سيموت مهما طال عمره.
  • الخلق دورة: من تراب ثم نفخ الروح، ثم بعد الموت يعود الجسد إلى التراب.
  • أمرنا النبي ﷺ أن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن نكون أقوياء في كل شيء.
  • الوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت، وهو ما يجعلنا كغثاء السيل.
  • المؤمن الصادق يكون معمراً لا مدمراً، هادياً لا مضلاً.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مراتب الإيمان بين التصديق المبدئي والإيمان المستقر المؤيد بالعمل

يستقر [الإيمان] في القلب، فإذا كان عن طريق الكلام والتصديق المبدئي فهو يعني إيمانًا ضعيفًا، والإيمان يزيد وينقص. وإذا كان مستقرًا في القلب وصدّقه العمل، فيبقى إيمانًا قويًا.

وإنّ ناسًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نُحسن الظنّ بالله. لو أحسنوا الظنّ لأحسنوا العمل.

أنت مؤمن بالآخرة؟ قال: نعم. وليس هكذا فقط، فكذلك أيضًا لن يدخل أحدٌ الجنة إلا أنا! هو يقول هكذا.

وجوب أن يكون الإيمان من النوع القوي المستقر المؤيد بالعمل الصالح

قال له: يعني يجب أن يكون إيمانك هذا إيمانًا من النوع القوي، ما دام لن يدخل أحدٌ الجنة إلا أنت، من النوع المستقر، من النوع المؤيَّد بالعمل.

والعمل هذا يكون في عبادة الله، يكون في عمارة الأرض، تزكية النفس. لا تكون في قتل الأطفال الفلسطينيين، ولا تكون في الإفساد في الأرض بهذا الفجور، ولا تكون في هذا الظلم البيّن.

أي يجب أن تكون في نوع من أنواع الإنسانية والرحمة، وليس العدوان والاغتصاب.

الإيمان بالآخرة يستلزم الإيمان بأنها خير من الدنيا والاشتياق إليها

ألن يدخل أحدٌ الجنة غيرك؟ قال: نعم. فماذا تظنون إذن؟ أنا وحدي فقط الذي سيدخل الجنة والآخرين لا!

قال له: طيب، إذا أنت آمنت بأن هناك يومًا آخر، وأن هذا اليوم آتٍ، وأن هذا اليوم يحتاج إلى العمل في الدنيا وفق مراد الله، وأن هذا اليوم سيكون الإنسان فيه خالدًا أبدًا.

تبقى الدنيا أحسن أم الآخرة أحسن؟ تبقى الآخرة هي التي قالت له أحسن. لمّا أنت تعرف كل هذا، فلماذا ليس لديك اشتياق لأن تذهب إلى الآخرة؟ لماذا لا تتعلق بالدنيا وكأنها غاية العلم ونهاية الأمل؟ شأنك هكذا، فلماذا هكذا إذن؟

تحدي تمني الموت لليهود وعلمهم بضلالهم وتمسكهم بالحياة الدنيا

قال تعالى:

﴿فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 94-95]

أنهم مخطئون وهم يعلمون، بعد البيّنات التي رأوها، والبيّنات التي قرؤوها، والبيّنات التي في كتبهم، أنهم على ضلال. ولذلك يخافون الموت ويتمسكون بالحياة، والله عليم بالظالمين.

حرص اليهود والمشركين على أي حياة ولو كانت ذليلة وتمنيهم العمر الطويل

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾ [البقرة: 96]

وعلى عكس ذلك تمامًا، ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة. و"حياة" جاءت منكّرة، والتنكير هنا يفيد: أيّ حياة! حياة ذليلة، حياة عزيزة، حياة غنية، حياة فقيرة... حياة! هذا هو مرعوب من الموت، من فكرة الموت.

ومن الذين أشركوا يعملون بالضبط مثل الذين لا يؤمنون بالله ويكفرون به ويشركون به.

﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96]

يودّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعيش. وما هو بمزحزحه من العذاب أن يُعمَّر، والله بصير بما يعملون.

تمني العمر الطويل لا ينجي من الموت وأبحاث إلغاء الموت لن تغير سنة الله

فانظر كيف يودّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنة! لو عُرض عليه وقيل له هكذا: تعال نعطيك حبوبًا حتى تعيش ألف سنة، يقول: نعم أنا الذي أريد هذا! حسنًا، وبعد ذلك؟ بعد ألف سنة ماذا سيحدث؟ أليس أنك ستموت!

ولذلك هناك أبحاث فكّر فيها كثير من الناس أن يُلغوا الموت. حسنًا ابحثوا، وإن استطعتم فتعالوا وقولوا لنا: إن الإنسان يمكن أن يعيش في شبابه مائتين وأربعين سنة، والمائتان والأربعون سنة هي الشباب.

وبعد ذلك، حسنًا فليعيشوا ألف سنة، وبعد ذلك أيضًا سيموتون.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

وهذه سنة الحياة الدنيا.

دلالة خلق آدم من التراب وعودة الإنسان إليه على البعث بعد الموت

وكما أن الله أنشأ الخلق خفاءً، دلّنا عليه ظهورًا. يعني الموت الأول: جاء به من أين؟ من تراب، وضع عليه ماءً وحوّله إلى صلصال وحمأ مسنون، ثم بعد ذلك نفخ فيه من روحه، فأنشأ آدم [عليه السلام].

وبعد ذلك الروح التي دخلت آخر شيء، هذه تخرج فيصبح هو عكس الخلق. ما هو الذي نحن نراه؟ إن الذي نراه هو أن هناك رجلًا كان يتحرك هكذا، وبعد ذلك عندما خرجت روحه أصبح جثة هامدة.

فوضعناه في القبر فتحلّل حتى وصل إلى هذه المياه والتراب، وهكذا أصبح ترابًا بعد مدة. هكذا نفتح فنجده ترابًا، والله هذا يكون فعلًا هذا آتٍ من التراب إذن.

الفرق بين خلق آدم الخفي وما نشاهده من دورة حياة الإنسان وعودته للتراب

فما الخفي عنا؟ خلق آدم [عليه السلام]. وما الظاهر لدينا؟ الإنسان أمامنا، ها نحن نراه يعيش ويتحرك، نراه من غير روح، نراه وهو يتحلل حتى يصل إلى التراب.

وهذا التراب نراه في أرضها:

﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: 55]

ألف سنة أم لا، الآن لازم أن تتم هذه الدورة:

﴿كَمَا بَدَأْنَاكُمْ تَعُودُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 29]

وصية النبي بأن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا مع طلب القوة

﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 97]

هذا معنى جديد أصبح، ولكن هنا كيف نستفيد من هذه الآيات عندنا نحن؟ أصبح هذا الذي حصل معكم. سيدنا رسول الله ﷺ أمرنا أن تكون الدنيا في أيدينا وأن لا تكون في قلوبنا.

ومن دعاء الصالحين: اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

متى تكون الدنيا في أيدينا؟ عندما نكون أقوياء.

هل أمرنا رسول الله ﷺ بالقوة؟ هذا أمرنا بالقوة دائمًا في كل شيء: في القوة في كل حالة، في الجسد، في التفكير، في العمل، في الأمة، في مواجهة الآخرين، في الدعوة إلى الله.

الفرق بين القوة والعنف في الإسلام والرفق في كل شيء

ما العلاقة بين القوة والعنف؟ لا علاقة له بذلك؛ لأنه يقول:

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

فالقوة لها معنى العظمة والعزة، وليس لها معنى العنف والتعسير والعسر والشدة.

حديث تداعي الأمم وبيان أن الوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت

حسنًا، أمرنا بالقوة صلى الله عليه وآله وسلم، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعة الطعام»

مثل الحالة التي نحن فيها هذه: تفكك، تسلّط من كل جهات الأرض على موارد الشعوب وعلى بلادها وعلى أحوالها.

قالوا: أمِن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فالقلة هذه تجعل الآخرين أي يطمعون فينا. قالوا: أنتم يومئذ كثيرون، ولكن غثاء كغثاء السيل، ينزع الله المهابة من قلوب عدوكم، ويقذف الوهن في قلوبكم.

قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

خاتمة: الإيمان المستقر يجعل الدنيا في اليد لا في القلب ويصنع المصلح لا المفسد

فإذا كنت أيها المسلم تقول إن لك الدار الآخرة عند الله، فتمنَّ الموت إن كنت صادقًا؛ لأن إيمانك سيكون حينئذ مستقرًا في القلوب، وتكون الدنيا في يدك لا في قلبك.

وتكون مُعمِّرًا لا مُدمِّرًا، هاديًا لا مُضلًّا، مُصلحًا لا مُفسدًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.