سورة البقرة | حـ 111 | آية 97 : 99 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن تفسير آيات من سورة البقرة تتعلق بعداوة بني إسرائيل لجبريل عليه السلام.
- •من يعادي جبريل الذي نزّل القرآن بإذن الله فهو يعادي الله نفسه، وهذا يكشف خللاً في فهمهم للإله المعبود.
- •الدليل على صدق الوحي أنه مصدّق لما سبقه من التوراة، وهو هدى وبشرى للمؤمنين.
- •الكفر بالآيات البينات سببه الفسق، فالإنسان يرفض الإيمان لعدم رغبته في الالتزام بالتكاليف الشرعية.
- •يقول بعض الناس: "لن أطبق هذه الأحكام" مع إقرارهم بأنها من عند الله، وبعضهم ينكر أنها من عند الله أصلاً.
- •القرآن يعلمنا الإنصاف في الحكم على الناس، فلم يقل "كلهم نبذوا العهد" بل قال "فريق منهم".
- •ينبغي علينا عدم تصنيف الآخرين صنفاً واحداً، فمنهم المحب ومنهم الكاره ومنهم من يجهلنا تماماً.
- •العدل مطلوب حتى مع المخالفين، فلا يدفعنا كره قوم إلى ترك العدل معهم.
مقدمة تفسير آية من كان عدوًا لجبريل في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة حيث يقصّ علينا نبأ بني إسرائيل، يقول تعالى:
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 97]
يُقال في التفسير أن هؤلاء الناس [من بني إسرائيل] يكرهون جبريل، ويقولون إنه ليس هو الذي نزل بالوحي على قلب موسى، وأنه حاربهم أو شيء من هذا القبيل.
حوار بني إسرائيل حول عداوتهم لجبريل ورفضهم للرسالة
ولذلك [قالوا]: نحن نكرهه [أي جبريل]. فمن الذي ينزل عليك يا محمد؟ قال: جبريل. قالوا: لكن اكتشفنا الأمر، إذن نحن أعداء؛ لأننا أعداء المبلّغ لهذه الرسالة.
هذه عملية [عقلية غريبة]، أي أنك تعرف أن هناك ربًّا؟ قال: نعم. وأنه يوجد ملائكة؟ نعم. وجبريل هذا ملك؟ نعم. وينزل من عند الله بالرسالة؟ قال: نعم. وغاضب معه [أي مع ذلك]؟ قال: نعم.
قلنا له: فالنفسية هذه يعني معناها ما معناها؟ أنك أي كأنك تتعامل مع الله بصورة نحن لسنا معتادين عليها.
التسليم لله والرضا بقضائه مقابل العقلية المختلة لبني إسرائيل
نحن معتادون على التسليم وعلى الرضا وعلى التوكل، وعلى أن الخيرة فيما اختار الله، وعلى أن الله سبحانه وتعالى صادق وأنه حكيم وأنه مدبّر.
هذه الصفات لست منتبهًا إليها، قل صدق الله مثلًا، لست منتبهًا إليها. قال: لا، ما هذا صدق الله؟ هذا ربنا، هذا مثلنا مثله هكذا، هذا ربنا ممكن يخطئ!
ما الخطأ في هذا؟ قلت له: حسنًا، ولكنني لست قادرًا أنطق كلامك هذا، يعني أنك لا تعبد ربنا رب العالمين، إذن أنت وثني تتخيل إلهًا برأسك برأسه أم ماذا؟
رد الله تعالى على العقلية المختلة بأن عدو جبريل عدو لله
الحقيقة أن هذا الكلام لا يأتي إلا هكذا، فردّ ربنا على هذه العقلية العجيبة الغريبة التي نحن هكذا لسنا متعودين عليها ولا نفهمها إلا إذا تأملنا.
ردًّا على هذه العقلية يقول [الله تعالى] ماذا؟ تعال أفهمك:
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 97]
لمّا أنت صدّقت بالله وصدّقت بجبريل أنه ملك، وصدّقت أن جبريل نزل من عند الله، وأنت عدو جبريل، تكون أنت عدو الله. يعني ملخص الكلام هكذا.
اختلال صورة الإله في عقول من عادوا جبريل وأدلة صدق القرآن
وهذا جاء لأنك لم تُقدّر الله سبحانه وتعالى حق قدره؛ الصورة للإله المعبود مختلة في عقلك.
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 97]
ليس من عنده [أي من عند جبريل]، وما دام هو من عند الله وأنت تعترض عليه فأنت عدو لله.
مصدقًا لما بين يديه — ما الدليل أنه من عند الله؟ إنه مصدّق لما بين يديه الذي هو التوراة، هذا وهذا من مشكاة واحدة، فيكون هذا دليلًا على أن هذا [القرآن] من عند الله.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 97]
كما كانت هذه [التوراة] هدى وبشرى للمؤمنين.
من كان عدوًا لله وملائكته ورسله فإن الله عدو للكافرين
﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 98]
الذي تقولون أنه [أي ميكائيل] نزل من قبل، ولكن جبريل لا [تقبلونه]:
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 98]
يبقى النهاية أن الله سبحانه وتعالى عدو لمن كان عدوًّا له، والطريقة التي تفكرون بها هذه مختلة.
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [البقرة: 99]
سبب كفر أكثر الناس هو كراهية التكليف لا اختلال التفكير
نقطة جديدة تمامًا هذه: كيف يقول لك الله هو [أي يبيّن أن] الناس يكفرون؟ لماذا؟
الواحد في المائة يكفر لاختلال في تفكيره؛ يأتي يظن أنه إذا فكّر هكذا سيحدث خلل في تفكيره، هذا واحد في المائة.
فما بال الناس الآخرين يكفرون؟ لأنهم لا يحبون التكليف. يقول لك: ستضايقني إذن، ستقول لي صلِّ وصُم واعبد واعمل واستقم وكذا، وابتعد عن لا أدري ماذا وابتعد عن، ستخنقني هكذا يا أخي! فبناءً عليه لن أفعل هذه الأشياء.
مراتب رفض التكليف من الاعتراف بالحرام إلى إنكار مصدر الشريعة
قلت له: إذن ألن تفعلها وأنت مصدّق أنها حرام؟ فبعضهم قال: نعم حرام، ولكن حرام ماشٍ، حرام يا سيدي ولكن سأفعلها أيضًا.
وبعضهم قال: لا، ولماذا أفعل الحرام هكذا؟ ليس حرامًا. قلت له: ولكن هذا ما حرّمه الله. قال: لا، أنت تفهم الله خطأ، هي ليست حرامًا.
بعضهم قال: لا، هي ليست حرامًا وهذا [الكتاب] ليس من عند الله أصلًا.
ما الذي دفعه إلى هذا؟ إنه لا يريد أن يطبّقها، إنه متضايق من تطبيقها. الله لم يهدِه ولم يفتح قلبه لهذا التطبيق، فكفر بسبب الفسق.
دلالة قوله تعالى وما يكفر بها إلا الفاسقون على أن الفسق سبب الكفر
فيقول [الله تعالى]:
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [البقرة: 99]
انتبه! ليس "وما يكفر بها إلا الكافرون"، ولا "إلا الظالمون"، ولا إلا أي شيء [آخر]. لا، هؤلاء كفروا وكان سبب كفرهم فسقهم.
والفسق متمثّل في أنه لا يريد أن يلتزم، وحتى يُطمئن نفسه أو يتكبّر يرفض. والرفض على مستويات تصل إلى الكفر والعياذ بالله، لكن المهم ألا تضايقني، هذا الذي يحدث.
وهذه المصيبة تأتي لتبلّغ الدين؛ فإذا كان يناقشك في المبادئ الأساسية لماذا؟ قال: أنا لا أعملها ولا أريد أن أعملها، فيجب أن أرفضها على أي مستوى كان.
نقض العهود عند بني إسرائيل وتعليم القرآن الإنصاف في الحكم
فربنا قال له وقال لنا:
﴿أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ [البقرة: 100]
مع العهد يقول ماذا؟ أنا أطيعك يا رب. طيب صلِّ، لا يريد أن يصلي. طيب زكِّ، لا يريد أن يزكّي. حسنًا لا ترتشِ، غير قادر ألّا يرتشي. حسنًا لا تزنِ، أنه غير قادر على منع نفسه.
﴿أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ [البقرة: 100]
كلما تتأمل في القرآن تجده يعلّمك الإنصاف. لم [يقل] "نبذوه"؛ لأنه ليس كلهم نبذوه، هذا بعضهم يصلي وبعضهم لا يصلي، بعضهم ممتنع وبعضهم لم يمتنع وهكذا.
تعليم القرآن العدل في التعامل مع الآخر وعدم التعميم
نبذه فريق منهم، بل أكثرهم، لم يقل كلهم. فيقولون لك: تعلّم الإنصاف، تعلّم العدل.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
بل أكثرهم لا يؤمنون، ما قال بل كلهم لا يؤمنون، بل هم لا يؤمنون. يحكي الواقع ويعلّمك كيف تعامل الآخر معاملة واحدة.
غيرك هذا منه من هو معك يحبك وإن كان على غير دينك، ومنهم من يكرهك، ومنهم من يدبّر لك الشر، يكرهك ويتركك في حالك، ومنهم من يدبّر لك الشر، ومنهم من عنده صورة مختلفة عنك مشوّهة، ومنهم من لا يعرفك أصلًا ولا سمع بك.
ولذلك يجب علينا ألا نجعل الآخر هذا صنفًا واحدًا، بذلك التعليم المنصف الذي يبيّن لي أن أعامل كل شخص بما هو عليه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
