سورة البقرة | حـ 117 | آية 105 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يعلمنا القرآن الإنصاف في وصف الواقع، فميز بين المشركين وأهل الكتاب، فقال: "ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين".
- •المشركون ليس فيهم منصفون، بينما أهل الكتاب فيهم المنصف وغير المنصف.
- •الخير النازل من الله يتمثل في الوحي والإرشاد والنصرة والتمكين، فقد جعلنا خير أمة وأمة وسطاً.
- •انتشر الإسلام من الأندلس إلى الصين، ومازال الناس يدخلون في دين الله أفواجاً لأنه نور قلوبهم.
- •الدراسات العلمانية لا تستطيع تفسير ظاهرة انتشار الإسلام رغم ضعف المسلمين اليوم.
- •علينا مواجهة حقد الكارهين بالصبر وكظم الغيظ والعفو عن الناس، وأن نوسع صدورنا.
- •مهمتنا البلاغ والدعوة، أما الهداية فهي من الله، "لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
- •هداية شخص واحد خير مما طلعت عليه الشمس وغربت.
مقدمة الدرس والتعريف بموضوع سورة البقرة وشأن بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات في سورة البقرة، وربنا يحدثنا عن شأن بني إسرائيل ويهدينا في الوقت نفسه بهدايته سبحانه وتعالى.
منهج الإنصاف القرآني في التفريق بين الكفار من أهل الكتاب والمشركين
يقول ربنا:
﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 105]
يعلمنا الإنصاف مرارًا وتكرارًا؛ قال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهناك فرق كبير بين أن يقول "ما يود أهل الكتاب" وبين أن يقول "الذين كفروا"؛ إذن قسمهم [أهل الكتاب] مباشرة هكذا.
ثم قال: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، انظر هنا فرَّق بين أهل الكتاب فقال: "الذين كفروا من أهل الكتاب"، وكيف [وصف] المشركين؟ إذن قال: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ جميعهم.
وصف الواقع بإنصاف بين المشركين وأهل الكتاب كمنهج علمي قرآني
فإذا كان الأمر كذلك ونحن نصف الواقع، يجب أن نصفه على ما هو عليه. المشركون ليس فيهم منصفًا، ليس فيهم منصفٌ، انتهى الأمر، ليس فيهم من هو منصف. نقول هكذا.
أهل الكتاب فيهم منصفون وفيهم غير منصفين، نقول هكذا. لا يضرنا هذا، المهم أن تصف الحقائق.
فهل هذا هو ما يبني المنهج العلمي؟ هذا منهج واقعي يقول لك: اوصف الحالة على ما هي عليها.
معنى الخير النازل من عند الله وتمثله في الوحي والنصرة والتمكين
﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 105]
والخير النازل من عند الله يتمثل في ماذا؟ قال: يتمثل في الوحي؛ إنهم يعاندون. ربنا قال إنها صفة من الصفات تتمثل في النصرة والتمكين، وما هو خير من عند ربنا أيضًا.
إذ قد تتمثل في شيء معنوي كإنزال الوحي، كإرشادنا إلى مواطن استجابة الدعاء؛ فقد عظَّم لنا الكعبة، وسمح لنا بأن نقرأ كتابه، وأن نستخرج منه ما نهتدي به إليه، ودلنا على ذكره سبحانه.
تفضيل الله لأمة محمد وجعلها خير أمة أخرجت للناس وأمة وسطا
وإما أن يكون [الخير النازل من الله] على نوع التفضيل؛ فقد فضَّلنا وجعلنا:
﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]
وجعلنا أمة وسطًا، وجعلنا شهداء على الناس.
انتشار الإسلام من الأندلس إلى الصين تحقيقًا لنبوءة النبي ﷺ
وإما أن يكون [الخير النازل] من النصرة والتمكين؛ فقد امتد الإسلام من الأندلس إلى الصين شرقًا وغربًا، وتمكَّن فيما طُوِيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأرض.
فقد طُوِيَت له الأرض فقال:
قال النبي ﷺ: «يبلغ الإسلام من المشرق إلى المغرب فيما طُوِيَ لي الأرض»
طُوِيَت له كذلك، فظهرت له الأندلس وحدود الصين. فبالفعل الإسلام انتشر من طنجة إلى جاكارتا، ومن غانا إلى فرغانة؛ لأنه مؤيَّد صلى الله عليه وسلم.
الله يختص برحمته من يشاء وهو الذي يدخل الإسلام في القلوب
قومٌ تجد بعضهم لا يحبون ذلك [انتشار الإسلام] من الناحية العلمية والمعنوية، ولا من الناحية الحسية والكونية.
﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 105]
الله هو [المتفضل]، الاعتراض على مَن؟ مَن الذي نشر الإسلام؟ ومَن الذي جعله يدخل القلوب؟ وما زال الناس يدخلون في دين الله أفواجًا وإلى يومنا هذا، من غير حولٍ منا ولا قوة ولا دعوة ولا مثالٍ صالح حتى.
حالة المسلمين اليوم وأن الله هو الذي يهدي القلوب لا جهد البشر
فنحن لسنا أمثلة صالحة للإسلام حتى ينبهر الناس بنا كما انبهروا عبر التاريخ بأجدادنا فدخلوا الإسلام أفواجًا. هذا نحن، حالتنا تحتاج إلى مراجعة كثيرة.
مَن الذي يُدخل الإسلام في قلوب الناس؟ الله، من غير حولٍ منا ولا قوة ولا دعوة.
﴿وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105]
ولذلك كثير من الدراسات العلمانية لا تستطيع تفسير الظاهرة؛ ظاهرة انتشار الإسلام.
سبب تمسك الناس بالإسلام رغم كل الظروف هو نور الله في قلوبهم
هؤلاء الناس متمسكون بالإسلام، لماذا بالرغم من كل الذي فعلناه ونفعله؟ نعم، متمسكون بالإسلام لأنه نوَّر قلوبهم، لأنهم وجدوا الخلاص فيه لا في غيره، لأنهم عرفوا أن الباب الوحيد الذي بينهم وبين الله هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لأنهم نوَّر الله بصائرهم وخصَّهم برحمته، فأحبوا النبي صلى الله عليه وسلم. وكلما رأوا الساخرين منه رأوا فيهم مساكين يحتاجون إلى الهداية، فعطفوا عليهم.
موقف المؤمنين من السخرية بالنبي واطمئنان قلوبهم بذكر الله
وعرفوا أن كل ما يقولونه بشأن النبي [صلى الله عليه وسلم] من سخرية وقلة أدب فإنما هو في ميزانه يوم القيامة، يرتقي به عند ربه حتى بعد انتقاله إلى الرفيق [الأعلى].
واطمأنت قلوبهم بذكر الله:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
وعرفوا أن أولئك [الساخرين] من الظالمين، وأن الله يُمهل ولا يُهمل، وأننا ندعوهم إلى الهداية؛ فإن اهتدوا فذلك مما اختص الله به عباده، وإن لم يكونوا كذلك:
﴿فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 48]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
كلام واضح، قلوب واضحة، فهذا هو الحال.
ماذا نفعل تجاه حقد الكفار والمشركين هل نقاتل أم نصبر ونوسع صدورنا
ماذا نفعل عندما نرى كثيرًا من أهل الكتاب ونرى المشركين والملحدين ونرى المفسدين يحقدون ويحسدون، ولا يحبون أن ينزل علينا أي خير من ربنا؛ لا في كتابنا ولا في تاريخنا ولا في حاضرنا؟
ماذا نفعل؟ هل نُشهر السيف ونقاتل الناس ويحدث لنا حُمَّى لقتال من حولنا؟ ولا ربنا يقول لنا ماذا؟ يقول لنا: اصمت، اصبر، ابتسم، ووسِّع صدرك.
عندما توسِّع صدرك هكذا فإنك ترى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق ذلك فيهم وقدَّر ذلك عليهم لحكمة؛ إما لكي يهتدوا إلينا، وإما لكي يموتوا على ذلك فيدخلهم الله سبحانه وتعالى النار.
صفة المؤمنين كظم الغيظ والعفو عن الناس والصبر على الابتلاء
وهو بلاء لنا حتى يعلم [الله]: هل نتبعه فنصبر ونهجرهم هجرًا جميلًا، أم إننا تغلي قلوبنا ونخرج عن أمر الله فينا؟
﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
هذه صفتنا، صفة المؤمنين أنهم يكظمون الغيظ. لا تغضب ولك الجنة؛ لأنك عندما لا تغضب وترى الله في كل شيء، حتى في خلقه هذه المعصية فيهم، فتعرف وتعلم أن الله له حكمة في هذا.
دور المؤمن البلاغ والدعوة والإرشاد والله وحده هو الذي يهدي
وأنه ما عليك إلا البلاغ، وإلا الدعوة، وإلا التبليغ عن الله سبحانه وتعالى، وإلا الإرشاد والدلالة. أما الذي يهدي فهو الله سبحانه وتعالى.
وعسى أن يبدل الله سبحانه وتعالى الحال إلى أحسن حال؛ لأن:
قال النبي ﷺ: «يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
