سورة البقرة | حـ 120 | آية 107 : 108 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 120 | آية 107 : 108 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • القرآن الكريم هدى للمتقين وأنزل للعالمين في كل زمان ومكان، وقد وضع الله لكل آية شروطاً للعمل بها.
  • الآيات تعمل عند تحقق شروطها، فإذا فقد الشرط فلا نعمل بها، كالحرب التي شرعت بشروط معينة.
  • ليس في القرآن إهمال لآية، بل لكل آية شروطها التي بينها الله ورسوله بياناً شافياً.
  • جهل البعض بشروط الآيات يجعلهم يعتقدون أن النسخ أمر ناقص، وهذا فهم خاطئ.
  • الله له ملك السماوات والأرض وهو الذي قدر أن يكون محمد خاتم النبيين.
  • الله قدر أن تختلف الشرائع وأن ينسخها وأن يكون القرآن محفوظاً صالحاً لكل زمان ومكان.
  • لا يستطيع أحد من البشر أو الجن أن يأتي بمثل هذا القرآن الذي يحتمل كل معاني الخير عبر العصور.
  • الله هو المالك والملك، له التصرف التام في خلقه وهو الولي والنصير.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس مع آية النسخ من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة، ومع قوله تعالى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]

نعيش هذه اللحظات [مع تدبر هذه الآية الكريمة].

هل في القرآن آية لا يُعمل بها وبيان أن كل آية هدى للمتقين

هل في القرآن آية لا يُعمل بها أبدًا؟

هذا الكتاب كله، كلمةً كلمةً وحرفًا حرفًا، هدًى للمتقين، هدًى للمتقين. ولكن لأنه قد أُنزل لكل العالمين في كل زمان ومكان، وضع الله شروطًا لكل آية.

فهذه [الآية] نعمل بها عند تحقق شرطها، وهذه [الآية الأخرى] نعمل بها عند تحقق شرطها؛ فإذا فُقد الشرط فلا نعمل بها.

مثال على اشتراط الحرب بشروطها وعدم القتال بدون سبب

أمرنا [الله] سبحانه وتعالى أن نحارب من يحاربنا؛ فإذا لم يحاربنا أحد فلا نذهب نحن لنحارب هكذا شكلًا للبيع، يعني كان للحرب شروط؛ فإذا فُقدت تلك الشروط فلا حرب.

أمرنا الله سبحانه وتعالى أن ندعو الناس وأن نأمرهم أن يتركوا بيننا وبين عباد الله، وألا يكونوا حجابًا بين الخلق والخالق، وأن يتركوا الإسلام يُبلِّغ كلمته؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

صد أوروبا عن الإسلام في العصور الوسطى وتغير الأحوال اليوم

فعندما كانت أوروبا في العصور الوسطى كانوا يقتلون المسلمين كما فعلوا بهم في الأندلس، وكانوا يحرقون المصاحف في محاكم التفتيش، وكانوا يحولون بين الإسلام وبين وصوله إلى العالمين، حتى أنهم ترجموا القرآن إلى اللاتينية محرَّفًا مشوَّهًا حتى يصدوا الناس عن دين الله.

والآن تذهب فتستطيع أن تتكلم وأن تُنشئ مركزًا إسلاميًّا هنا وهناك. إذا ما كان [الأمر] قائمًا بشروطه في وقت معين قد يتغير.

ليس في القرآن إهمال وإنما لكل آية شروط بيّنها الله ورسوله

فهل معنى هذا أننا نُهمل هذه الآية أو تلك؟

لا، ليس فيه إهمال، وإنما فيه أن كل آية لها شروط بيّنها الله ورسوله سبحانه وتعالى وعليه الصلاة والسلام، بيّنها لنا الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا شافيًا وافيًا، ووضع لنا شروطها؛ فلا تعمل إلا في شروطها.

قوم يأتون، تسمع بعضهم ويقول لك: هؤلاء المسلمون يعني يقولون أن هذا منسوخ، هذا منسوخ، هذا منسوخ! ما هو غير فاهم، ما هو غير فاهم أن كل آية لها شروط. وجهله وعدم علمه بالشروط يجعله يجهل نفسه ويظن أن النسخ أمر ناقص.

تسمية بعض العلماء النسخ بالنَّساء وقراءة ننسئها

أبدًا، وهذا فيه سعة بهذا المعنى. ولذلك أسماه بعض العلماء بالنَّساء، آخذين من قوله تعالى:

﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]

وهي قراءة في ﴿نُنسِهَا﴾ [أي بالهمز بمعنى التأخير].

الله له ملك السماوات والأرض وهو فعّال لما يريد

قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107]

يعني أن الله فعّال لما يريد، له ملك السماوات والأرض. فهو الذي قدّر أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وهو الذي قدّر أن يكون في نهاية سلسلة الأنبياء الداعين إلى الإسلام من لدن آدم إلى خاتمهم وسيدهم صلى الله عليه وسلم.

وهو الذي قدّر أن تختلف الشرائع من جيل إلى جيل وأن ينسخها، وهو الذي قدّر أن يكون الكتاب الآخر والعهد الأخير وهو القرآن الكريم محفوظًا لا يمسه التبديل ولا التحريف، لا في لفظه ولا في معناه. وهو الذي قدّر أن يكون هذا الكتاب صالحًا لكل زمان ولكل مكان؛ فكل هذا بيد الله.

الله خلق اللغة وجعلها قادرة على تحمل معاني القرآن عبر الزمان والمكان

الذي خلق اللغة، والله الذي خلق الإنسان وخلق فهمه، والله الذي جعل هذه اللغة قادرة على تحمل كل هذه المعاني التي تصلح عبر الزمان وعبر المكان ولكل الناس للعالمين.

هذا لا يقدر عليه شاعر ولا حكيم ولا فيلسوف ولا مفكر، لا في حالتهم الفردية ولا في حالتهم المجتمعة. لو اجتمع الجن والإنس واجتمع العلماء والمفكرون على أن يصوغوا مثل هذا القرآن، لا يستطيع أحدهم في انفراده ولا في جماعته أن يفعل مثل هذا، أن يأتي بمثل هذا الكلام الذي يحتمل كل معاني الخير عبر العصور.

الفرق بين المالك والملك في وصف الله تعالى بملك السماوات والأرض

من الذي أنزل القرآن؟ فيصف [الله] نفسه بوصف الملك فيقول:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 107]

يستثير هنا الإنسان، يقول لك: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض. لم يقل: ألم تعلم أن الله هو مالك السماوات والأرض؛ لأن المالك دون الملك في القدرة والتصرف. المالك يكون مالك قطعة أرض أو يكون مالك بعض المال، لكن الملك لا؛ فالملك في يديه سلطان أيضًا.

لم يقل: ألم تعلم أن الله ملك السماوات والأرض، وإنما يقول ماذا؟ «له»، أي له وحده. فتدل كلمة «له» هنا على التمام والكمال؛ فله الملك المطلق الذي يشمل المالكية والملكية، أي فهو مالك وملك، والذي يشمل أنه لا منازع له في ملكه.

ملك الله المطلق يقتضي التصرف التام في الإنسان واللغة والتاريخ

أي له ملك السماوات والأرض، لله سبحانه وتعالى لا شريك له في ملكه. وهذا يقتضي التصرف التام؛ فتصرّف في الإنسان وفي تاريخه وفي تلقيه وفي ذهنه وفهمه، وفي اللغة وفي تحمّلها المعاني، كجزء من ملكه سبحانه وتعالى.

فهذا الكتاب من عند الله فلا عجب، وإنما التعجب يأتي إذا كان الأمر بيد البشر.

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107]

دعوة إلى عدم التردد في الإسلام لأن الله وحده هو الولي والنصير

إذن لا يتأخرنّ أحد منكم عن الإسلام؛ فإن الله، والله وحده سبحانه وتعالى، هو وليّكم وهو الذي ينصركم؛ لأنه هو الذي يخلقكم، وهو الذي يحييكم، وهو الذي يميتكم، وهو الذي يؤيدكم، وهو الذي يستركم، وهو الذي يغفر لك، وهو الذي ترجع إليه، وهو الذي يعطيك.

فمن تخاف؟ لا تخف أحدًا، ولا تتردد في دخولك لهذا الإسلام بعد ما استقر الحال وانتهت رسالة الأنبياء بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

التنبيه على ذكر قصة بني إسرائيل للاعتبار والتعلم منها

﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 108]

يُنبّهنا [الله تعالى] مرة ثانية وثالثة ورابعة إلى أنه يذكر لنا قصة بني إسرائيل حتى نتعلم منها.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.