سورة البقرة | حـ 123 | آية 111 : 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 123 | آية 111 : 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يحكي القرآن في سورة البقرة عن فئات زعمت احتكار الجنة، حيث قالت اليهود: "لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً"، وقالت النصارى مثل ذلك، فوصف الله تعالى هذا بقوله: "تلك أمانيهم".
  • دعا الله تعالى إلى ترك عقلية الأماني والانطباعات واتباع الحق المبني على البرهان، حيث قال: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".
  • جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبشراً ونذيراً، وكان مذكوراً في الكتب السابقة كرحمة للعالمين.
  • حرر الإسلام العقل من الخرافات وأسس المنهج العلمي القائم على إدراك الواقع كما هو.
  • حرم الإسلام الكذب والغيبة والنميمة لأنها مخالفة للواقع والحقيقة.
  • بيّن الله تعالى معيار قبول الأعمال: "من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه".
  • مستويات الفكر ثلاثة: الفكر السطحي المقتصر على إدراك الظواهر، والفكر العميق المتعمق في البحث، والفكر المستنير الذي يربط كل شيء بالله الخالق.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع الإنصاف في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين، حكايةً عن أولئك الذين لا يُنصفون، ويُعلّمنا من خلال ذلك الإنصاف ويأمرنا به.

دعوى اليهود والنصارى باحتكار دخول الجنة وبيان أنها أمانيّ باطلة

﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ [البقرة: 111]

يعني بعض الطوائف قالت هذا؛ كان اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان على دين النصرانية.

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 111]

ففرّق ربنا بين الواقع وبين عقلية الانطباع والخرافة وعقلية التمنّي. يتمنّى أحدهم ذلك، لكن ما الواقع؟ ما الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟

بعثة النبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء وبشارات الكتب السابقة به

الله لم يترك الناس عبثًا، وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأوحى إلى أنبيائه بالحق، حتى ختمهم بسيدهم وسيد الكائنات سيدنا محمد ﷺ.

قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»

ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالمعجزات لقومه وبمعجزة الرسالة القرآن الكريم، فكان هو المُبَشَّر والمُبَشِّر. كان مُبَشَّرًا في الكتب السابقة؛ تكلموا عن ذلك [النبي] الذي يأتي من ولد إسماعيل، تكلموا عن ذلك المسايَا الذي سيأتي فيقود الأمم بعصاه، تكلموا عن ذلك الذي يُعلي الله ذكره في العالمين، تكلموا عن ذلك النبي الذي يذكر الله كثيرًا، تكلموا عن ذلك النبي الذي هو رحمة للعالمين.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فكان كما كان وكما بشّر الله به، فهو المُبَشَّر وهو المُبَشِّر؛ لأنه بشّرنا بجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، عرضها كبير إذا ما نحن اتبعناه.

وجوب اتباع النبي ﷺ والتحرر من عقلية الأماني والانطباع

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

تلك أمانيّهم، يعني لا تكونوا متّبعين للأماني وللانطباع، وإنما متّبعون للحق وللواقع.

عقلية المسلم حُرِّرت من الأوهام، من الأماني، من الرغبات، وأُسِّست على المنهج العلمي القائم على إدراك الواقع على ما هو عليه. أين الحق؟ أين الواقع؟

مطالبة القرآن بالبرهان ودعوة الإسلام إلى التحرر من الخرافة

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

العقلية العلمية تطلب البرهان وتسعى إليه، وتتكلم به وتناقش جزئياته حتى تصل إلى الحقيقة، الواقع، مراد الله في كونه، إن كنتم صادقين.

فهذه دعوة تحرُّر؛ أمرنا الإسلام أن نُخرج عقولنا من عقلية الخرافة، من عقلية الأساطير، من عقلية الانطباع، من عقلية الأماني والشهوات والرغبات والمصالح، إلى عقلية ترى الشيء على ما هو عليه.

تحريم الكذب وشهادة الزور في الإسلام لمخالفتهما الواقع

ولذلك حرّم الإسلام الكذب؛ لأن الكذب خلاف الواقع. وحرّم الإسلام شهادة الزور؛ لأن شهادة الزور خلاف الواقع.

تحريم الغيبة والنميمة وعلاقته بمبدأ مطابقة الواقع المتغير

وحرّم الإسلام الغيبة والنميمة. لماذا؟ حسنًا، أنا أصف هذا الرجل البعيد عني أو هذا الإنسان بأشياء سيئة فيه وهي فعلًا في الواقع.

قال [العلماء]: حين إخبارك بها لعله تاب فتكون قد كذبت. انظر إلى الدقة! وأنت تقول هذا الإنسان فاسق، حسنًا هو تاب الآن، أليس فاسقًا؟ إذن أنت قلت شيئًا مخالفًا للواقع.

أنت أخبرت عن أمس أنك رأيته على فسق، قال لك أيضًا: لا تغتابوه ولا تنقلوا عنه؛ لأن الإنسان متغيّر، وحتى لا تكذب، وحينما تصف بهذه الصفة يكون قد تغيّر. فالغيبة والنميمة حرام.

فوائد أخرى لتحريم الغيبة والنميمة وارتباطها بحكاية الواقع

انظر كيف! طبعًا توجد فوائد أخرى لتحريم الغيبة والنميمة:

  • منها أنك لا تكسر بخاطر الناس.
  • ومنها ألّا تُفسد بينهم.
  • ومنها [أسباب أخرى].

لكن أحد الأسباب هي حكاية الواقع الذي نحن نتكلم فيه، وله حِكَم أخرى إذ.

معنى تلك أمانيهم ومطالبة القرآن بالبرهان مقابل الأماني الباطلة

﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 111]

الأماني هكذا؛ يقول لك: والله أنا أريد هذا، أريد هذا.

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

معنى بلى في اللغة العربية والفرق بينها وبين نعم في سياق النفي

بلى: هذا حرف جواب، ولكنه يأتي في النفي.

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172]

أنت ربنا. لو قالوا "نعم" فإن المعنى يصبح: نعم لستَ بربنا. إذن كلمة "نعم" في النفي ستؤكد النفي، لكن "بلى" لا، ستعيد النفي إلى الإثبات.

دلالة بلى على سؤال مقدر منفي وبيان قبول الله لمن أسلم وجهه

بلى: ألا تقبل [يا ربنا] ممن أسلم [لك وجهه]؟ سؤال هكذا. ما هو الجواب؟ [كلمة "بلى"] تدلّ على سؤال [مُقدَّر]، فأول ما يقول "بلى" يكون هناك سؤال مقدّر. من أين جاء هذا المقدّر ولماذا؟ تقول له: ما هي؟ إن كلمة "بلى" تدلّ عليه.

فـ"بلى" هذا جواب عن سؤال. ما شكل السؤال؟ يجب أن يكون منفيًّا، يجب أن يكون فيه "لستَ" أو "لا". ألا تقبل يا ربنا من أسلم لك وجهه وكانت عقليته العقلية الواقعية والعلمية تمامًا؟

قال: بلى، يعني أقبل هذا الصنف.

شرطا قبول العمل عند الله: إسلام الوجه لله والإحسان في العمل

﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُٓ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]

من أسلم وجهه لله، رقم واحد [الشرط الأول: الإخلاص]، وهو محسن رقم اثنان [الشرط الثاني: الإحسان في العمل]، فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

من أسلم وجهه لله، إذن العلم الصحيح لا يكتمل إلا بالإخلاص الصحيح.

درجات الفكر الثلاث: الفكر السطحي والعميق والمستنير

يبقى فكر الناس على ثلاث درجات:

الأولى: الفكر السطحي، أن تنظر إلى ظاهر ما حولك في الأكوان؛ الشجرة الخضراء، الذي أمامك هذا بحر، تمسكه وتتذوقه هكذا فتجده مالحًا أو مِلحًا - لكن "مالحًا" استعملها الشافعي -. إذن هذا ظاهر سطحي يعلمه كل أحد من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا إلى يوم الدين. أيّ إنسان يستطيع أن يُدرك الظاهر: السماء والأرض والشجر والقمر والحجر وأي شيء.

الثانية: الفكر العميق، ولكن عندما تتعمّق فيها يصبح ذلك فكرًا عميقًا، وتنظر وتجمع المعلومات. وقد مكّن الله الإنسان من اختراع التلسكوب والميكروسكوب؛ فالتلسكوب يرى به الأجرام الكبيرة، والميكروسكوب يرى به الأجرام الصغيرة. وبعد ذلك ترى الخلية وأنت ترى الخلية ومكونات الخلية، وتستمر في فعل هذا حتى ترى نواة الخلية.

الثالثة: الفكر المستنير، لكن الفكر المستنير فوق هذا، وهو أن تقول سبحان الله وأن تربط هذا كله بالله الخالق. وهذا يحتاج إلى تفصيل في لقاء آخر.

نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.