سورة البقرة | حـ 124 | آية 112 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الفكر ينقسم إلى ثلاثة أنواع: سطحي يرى ظاهر الأشياء، وعميق يرى حقائقها، ومستنير يربط المخلوق بالخالق ويرى دلائل عظمة الله في الكون.
- •العلم في مفهوم القرآن هو ما أوصل إلى معرفة الله، أما المعلومات التي لا توصل إليه فتظل مجرد معارف قد تحقق مصالح أو مفاسد.
- •إسلام الوجه لله من تمام العلم وعلوه، وهو اقتران المعرفة بالإحسان والعمل الصالح.
- •الإيمان وحده لا يكفي بل لابد أن يتبعه العمل، فإبليس عرف الله لكنه لم يعمل بما أمر به.
- •الإحسان كلمة جامعة لكل بر، والبر جامع لكل خير، والخير يشمل عبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس.
- •عالمية الإسلام تتجلى في كلمة "من" التي تفيد العموم دون تمييز بين ذكر وأنثى، غني وفقير، عربي وأعجمي.
- •قوله "عليهم" يشير إلى العمل الجماعي في الإسلام، فالمؤمن جزء من جماعة لا يعمل وحده.
مقدمة تلاوة آية إسلام الوجه لله من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُٓ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]
أنواع الفكر الثلاثة: السطحي والعميق والمستنير وعلاقتها بإسلام الوجه لله
إذن أعلى درجات العلم هو أن تُسلم وجهك لله، وذلك بالإخلاص له وبالفكر المستنير.
فالفكر على ثلاثة أنحاء:
- سطحي: ترى به ظاهر الأشياء.
- عميق: ترى به حقائق الأشياء بدقة.
- مستنير: أن تربط هذا [ما تراه من حقائق الكون] بالمسبب الذي خلق سبحانه وتعالى، وأن ترى في الكون دلائل عظمته وحكمته وبديع خلقه.
حينئذ تكون مستنيرًا، فإذا رأيت الأشياء منفصلة لا رابط بينها، ولم يوصلك التأمل في الكون إلى الله، فأنت ما زلت في الفكر العميق غير المستنير، وأنت ما زلت في مرحلة من مراحل هذا الفكر، قد تحصل بها المنافع وقد تحصل بها بعض المصالح، إلا أنك ستظل محصورًا في هذا الجانب دون الواقع الكامل والعلم الأتم الذي يوصل إلى الله.
العلم في لغة القرآن هو ما أوصل إلى الله بالاستنارة
ولذلك فالعلم في لغة القرآن هو ما وصل إلى الله، أما المعلومات التي لا توصل إلى الله؛ لأنها لم تكن على حد الاستنارة ولم تدخل في حد الفكر المستنير، فإنها تظل معلومات قد يحصل بها الإنسان مصلحة وقد يحصل بها الإنسان مفسدة، ولكن لا يتم العلم تمامه وعلوه إلا بالاستنارة وربطه برب العالمين.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
الفكر المستنير يعلو الفكر العميق ويوصل إلى معرفة الله تعالى
فإن كان الفكر العميق أعمق وأعلى من الفكر السطحي، فإن الفكر المستنير يعلوه وهو يؤدي إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.
إذ بعدما قرر الله لنا أنه يريد أن يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عقلية الأساطير والخرافة إلى عقلية العلم، فإنه جعل إسلام الوجه له سبحانه من تمام العلم وعلوه:
﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112]
ضرورة العمل الصالح بعد الإيمان والمعرفة بالله تعالى
إذا عرف الإنسان ربه وعرف بفكره المستنير أن هذه المعلومات التي حصل عليها من الكون ومن النظر ومن طريق العقل إنها توصل إلى الله سبحانه وتعالى، عرف ذلك وتيقنه، فلا بد من العمل.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: 107]
لا بد من العمل الصالح، ولذلك قال:
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112]
وأتم العلم بالاستنارة، وجعل دلائل المعلومات موصلة إلى الله، لا بد عليه من أن يعمل حسنًا.
خطورة الإيمان بلا عمل والتحذير من الحد الإبليسي
افترض أنه انفرد بالإيمان ولم ينفرد بالعمل ولم يقم بالعمل، فإنه يكون على الحد الإبليسي.
ما هو الحد الإبليسي؟ إبليس فعل هكذا؛ عرف الله ثم لم يعمل [بطاعته].
لا، قال [الله تعالى]:
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: 112]
لا بد أن تُحسن، والإحسان كلمة جامعة لكل بر، والبر كلمة جامعة لكل خير، والخير كلمة جامعة لعبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس.
معنى الإحسان وتسمية النبي ﷺ أحفاده بالحسن والحسين والمحسن
محسن من الإحسان، ونرى هذا [المعنى] يتعلق به قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فيسمي أحفاده الحسن والحسين والمحسن.
المحسن مات صغيرًا، لماذا [سُمّي بهذا الاسم]؟ لأن أصله من مادة حسنة. وما هي الحسنة؟ هي في كل شيء أحسن؛ الحسن الخُلُق الحسن.
النبي يقول هكذا صلى الله عليه وسلم، روى الحسن عن أبي الحسن [علي بن أبي طالب] عن جد الحسن صلى الله عليه وسلم:
«أحسنُ الحسنِ الخُلُقُ الحسن»
الإحسان كلمة جامعة للبر والخير القاصر والمتعدي مع لا ضرر ولا ضرار
فمحسن كلمة جامعة لكل أنواع البر والخير وفعل الخيرات القاصرة على نفسك والمتعدية لغيرك.
ولذلك يقول [النبي ﷺ] لك:
«لا ضرر ولا ضرار»
لا تضر نفسك وتظلمها، ولا تضر غيرك.
الإيمان لا بد أن يتبعه عمل صالح والرد على من يغتر بحسن الظن بالله
الإيمان وحده لا بد أن يتلوه عمل؛ من أجل أن نُصدّق حقيقة هذا الإيمان، وأن أناسًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نُحسن الظن بالله.
ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. بلى، من [أسلم وجهه لله وهو محسن].
عالمية الإسلام في كلمة مَن التي تشمل كل البشر دون تفريق
و**«مَن»** هذه تفيد في اللغة العربية العموم، فلا فرق فيها بين ذكر وأنثى، ولا بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين سلف وخلف، ولا يوجد فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود.
من هنا تأتي عالمية الإسلام، هذا هو النسق المفتوح الذي يعلمنا الله فيه أن هذه الدعوة إنما هي من رب العالمين لعباده أجمعين.
إذن ليس هناك عرق ولا لغة ولا مكان ولا نسب ولا صفات قاصرة، هذا خطاب للعالمين، ما يُسمى بأمة الدعوة؛ كل العالم خطاب من رب العالمين لهم. بلى، مَن [أسلم وجهه لله].
لا تمييز بين الناس في دعوة الإسلام والإنسان ليس له إلا عمله
ما يأتي واحد فيقول له: لا، أنت أبيض، نحن لا نأخذ إلا السود. لا أنت أعجمي، نحن لا نأخذ إلا العرب. لا أنت أصلك ليس من النسل الشريف، نحن لا نأخذ إلا النسل الشريف.
أبدًا، إنسان ليس له إلا عمله، لا أقول له: إن أباك أخطأ فلن آخذك، لقد آذانا، الله يرحمه. لا، هذا لا يجوز، هو نفسه كذلك [يُحاسب بعمله لا بعمل غيره].
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
انظر كيف متسق كله:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
جزاء من أسلم وجهه لله وهو محسن وأن الله لا يضيع أجر المحسنين
هذا كله بناء للعقل. بلى، مَن أسلم، مِن أي شخص يُسلم وجهه لله وهو محسن، فيؤمن ويفعل [الصالحات]، فله أجره عند ربه.
«إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا»
وبعد ذلك يقول [الله تعالى]: ماذا؟ ولا خوف عليهم.
الانتقال من الإفراد إلى الجمع في الآية يشير إلى أن الدين جماعة
ليس عليه، يقول [الله تعالى]: ولا خوف عليهم. الأولى بالإفراد [مَن أسلم وجهه]، والثانية ذهب إلى الجمع: عليه... عليهم، يعني على هذا الصنف، على هؤلاء الجماعة.
وهذا يشير إلى ماذا؟ إلى أن الإنسان يعمل في جماعة، لا يعمل وحده. هذا حتى لكي تعمل الخير للآخرين يجب أن يكون هناك آخرون، وأنتم عندما تعملون الخير ليس كل الناس سيتبعونكم، يجب أن يكون هناك أناس سيعارضونكم.
دلالة صيغة الجمع على أن الدين جماعة وأن المؤمن يصبر على المخالفين
كل [ذلك] يبين لنا أنك لست وحدك، فلو كنت وحدك لقال: بلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليه ولا هو يحزن. لا، لم يقل هكذا.
بل قال: ولا خوف عليهم، على الصنف الذي أنت منه، فأشار إلى أن الدين جماعة، وأشار إلى المخالف الذي سوف يخالفك، وأشار إلى أن تصبر على ذلك.
فإن من صفات من تنتمي إليهم أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
دعاء ختامي بأن يجعلنا الله ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
فاللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
